ولهذا الأثر عن ابن عمر في حكم المحصر طرق أخرى ليس فيها محل الشاهد في الاشتراط، وسيأتي تخريجها بالتفصيل في موضعها من السنن في باب الإحصار إن شاء الله تعالى [الأحاديث رقم (١٨٦٢ - ١٨٦٤)].
قلت: فتبين بذلك أن حكم المحصر إنما هو موقوف على ابن عمر قوله، وأما الشطر المرفوع في رواية يونس ومعمر وغيرهما: فهو كون النبي ﷺ لم يشترط، ونفي العلم بالشيء لا يلزم منه عدم الوقوع أعني: أن كون النبي ﷺ لم يشترط في حج ولا عمرة، لا يلزم منه أن لا يكون أمر ضباعة أن تشترط لما كانت شاكية وجعة، ومن علم حجة على من لم يعلم، ومن شهد حجة على من لم يشهد، وقد روي عن ابن عمر أنه قال عن الاشتراط: لا أعرفه؛ إن كان قد ثبت عنه، والله أعلم.
• فقد روى نافع، قال: كان ابن عمر إذا سئل عن الاستثناء في الحج والعمرة؟ يقول: ما أعرفه علقه الطحاوي في اختلاف العلماء (٢/ ٩٨ - اختصار الجصاص).
والحاصل: فإنه لا ترد الأحاديث الثابتة الصحيحة بمثل هذا؛ لاسيما وقد ثبت القول بالاشتراط عن اثنين من الخلفاء الراشدين، ثبت عن عمر بن الخطاب، وعن عثمان بن عفان؛ كما ثبت أيضاً عن ابن مسعود [وسيأتي بيان ذلك].
• ومن أقوال النقاد والفقهاء التي لم يسبق إيرادها:
قال ابن وهب «قال يونس: قال ربيعة: لا نعلم شرطاً يجوز في إحرام»، وقد علم غيره، وفي علمه حجة على العباد.
وقال محمد بن الحسن في موطئه (٥٠٨) (٦١٢ - ط دار القلم): «بلغنا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه جعل المحصر بالوجع، كالمحصر بالعدو، فسئل عن رجل اعتمر فنهشته حية فلم يستطع المضي، فقال ابن مسعود: ليبعث بهدي، ويواعد أصحابه يوم أمارٍ، فإذا نحر عنه الهدي حلّ، وكانت عليه عمرة مكان عمرته، وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة ﵀، والعامة من فقهائنا».
قلت: أما الإحصار فسيأتي تفصيل مسائله في موضعه من السنن، لكن ذلك لا يمنع من صحة الاشتراط، وأن من اشترط في الحج أو العمرة فله شرطه، ويحل ويرجع، وليس عليه شيء؛ لا هدي، ولا قضاء نسك.
وقال البيهقي في الكبرى (٥/ ٢١٩) بعد حديث ابن عمر: «قال الشافعي في كتاب المناسك: هو المحصر بالمرض، والله أعلم».
وقال ابن جرير الطبري في تفسيره (٣/ ٣٧٢): «فهذا ما روي عن ابن عمر في الإحصار بالمرض وما أشبهه، وأما في المحصر بالعدو فإنه كان يقول فيه بنحو القول الذي ذكرناه قبل عن مالك بن أنس أنه كان يقوله».
وقال الطحاوي في اختلاف العلماء (٢/ ٩٧ - اختصار الجصاص) بعد حديث يونس: «قيل له: قد روينا عمن ذكرنا من الصحابة خلافه، ومعهم سنة رسول الله ﷺ، فهو أولى