موجباً للإتيان بجميع أفعال الحج، فإذا أحل بالإحصار فقد ترك الإتيان بفعل ما وجب بالإحرام؛ فلذلك لزمه دم، والله أعلم. [وانظر: حلية العلماء لأبي بكر القفال الشاشي (٣/ ٣١١)].
وقال أبو يعلى الفراء في التعليق الكبير (٢/ ٤٩٢): «مسألة: إذا مرض المحرم لم يجز له التحلل، ويقيم على إحرامه حتى يصل إلى البيت، فإذا فاته الحج يفعل ما يفعله الفائت من عمل العمرة والهدي والقضاء على الصحيح من الروايتين:
نص عليه في رواية الجماعة؛ ابن منصور، وأبي الحارث، والأثرم: فقال في رواية ابن منصور: إذا كان إحصار عدو نحر هديه ورجع، وإذا كان مرضاً، أو كسراً، فهو محرم أبداً حتى يصل إلى البيت، ويطوف بالبيت. وكذلك نقل أبو الحارث. وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: الإحصار بالمرض، كالإصار بالعدو سواء».
ثم استدل بحديث عائشة، وأم سلمة، في قصة ضباعة في الاشتراط في الحج، ثم قال:«فوجه الدلالة: أنه أمرها أن تشترط، فلو كان المرض يبيح الإحلال لما احتاجت إلى شرط الإحلال في الموضع الذي تحبس فيه»، ثم أطال النفس في تفصيل المسألة.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ١٩١): «والاشتراط: أن يقول إذا أهل في الحال التي وصفنا: لبيك اللهم لبيك، ومحلي حيث حبستني من الأرض، قال مالك: والاشتراط في الحج باطل، ويمضي على إحرامه حتى يتمه على سائر أحكام المحصر، ولا ينفعه قوله: «محلي حيث حبستني»، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهو قول إبراهيم النخعي، ومحمد ابن شهاب الزهري، وهو قول ابن عمر أيضاً.
ذكر ابن وهب عن يونس، وذكر عبد الرزاق عن معمر جميعاً عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر؛ أنه كان ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ، أنه لم يشترط، فإن حبس أحدكم حابس عن الحج؛ فليأت البيت، فليطف به وبين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصر، ثم قد حل من كل شيء، حتى يحج قابلاً، ويهدي أو يصوم إن لم يجد هدياً.
قال الشافعي: لو ثبت حديث ضباعة لم أعدُه، وكان محله حيث حبسه الله بلا هدي. واختلف أصحابه في هذه المسألة إلى اليوم، فمنهم من يقول: ينفعه الاشتراط على حدث ضباعة، ومنهم من يقول: الاشتراط باطل.
وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور: لا بأس أن يشترط، وله شرطه؛ على ما روي عن النبي ﷺ، وعن غير واحد من أصحابه.
قال أبو عمر: جواز الاشتراط في الحج: عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وبه قال: علقمة، وشريح، وعبيدة، والأسود، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، وعكرمة، وهو مذهب: عطاء بن أبي رباح، وحجتهم في ذلك حديث ضباعة». [وانظر: الاستذكار (٤/ ٤١٠)].