الحديث عن الوليد بن مسلم، والذي يدل على صحة هذا الاحتمال أن البيهقي قد رواه من طريق دحيم بدونها، فقد رواه بإسناد صحيح إلى: إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان [أبو يعقوب الأنماطي: ثقة. سؤالات السهمي (١٨٩). تاريخ بغداد (٦/ ٣٨٤). تاريخ دمشق (٨/ ١٠٤)]: ثنا دحيم: ثنا الوليد حدثنا الأوزاعي، قال: سمعت عطاء، يحدث عن جابر بن عبد الله؛ أن إهلال رسول الله ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته، والله أعلم.
• ورواه عمر بن قيس المكي، عن عطاء بن أبي رباح قال: عن عمير، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي ﷺ أحرم من ذي الحليفة بعد ما انبعثت به ناقته الجدعاء.
أخرجه أبو بكر الشافعي في الثالث عشر من فوائده (٦٠).
قلت: وهذا حديث باطل؛ تفرد به عن عطاء بن أبي رباح: عمر بن قيس المكي، سندل، وهو متروك، منكر الحديث.
والمعروف في هذا عن عطاء: ما رواه الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر، وقد أخرجه البخاري في صحيحه.
• قال البخاري عقبه: «رواه أنس وابن عباس ﵃»، وفي هذا إشارة إلى أنه حمل حديث جابر على البيداء، خلاف حديث ابن عمر.
وترجم له ابن خزيمة بقوله: «باب الإهلال إذا استوت بالراكب ناقته عند مسجد ذي الحليفة، ضد قول من زعم أن النبي ﷺ لم يهل حتى أتى البيداء، وهذا من الجنس الذي أعلمت في غير موضع في كتبنا، أن الخبر الواجب قبوله هو خبر من يخبر بسماع الشيء ورؤيته دون من ينكر الشيء ويدفعه»، يعني: قبول خبر المثبت دون النافي، لأن مع المثبت والشاهد زيادة علم ليست مع النافي والغائب.
وقال الطحاوي في شرح المعاني (٢/ ١٢١): «فذهب قوم إلى هذا؛ فاستحبوا الإحرام من البيداء؛ لإحرام النبي ﷺ منها.
وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: قد يجوز أن يكون النبي ﷺ أحرم منها؛ لا لأنه قصد أن يكون إحرامه منها خاصة، لفضل في الإحرام منها على الإحرام مما سواها.
وقد رأيناه فعل أشياء في حجته في مواضع لا لفضل قصده في تلك المواضع مما يفضل به غيرها من سائر المواضع، من ذلك: نزوله بالمحصب من منى، فلم يكن ذلك لأنه سنة، ولكنه لمعنى آخر قد اختلف الناس فيه ما هو؟».
• قلت: سبق أن قررت أنه لا يثبت حديث في كون النبي ﷺ أهل دبر صلاته وهو في المسجد، إنما ثبت أنه أهل عند مسجد ذي الحليفة حين انبعثت به راحلته قائمة، وأهل حين استوت به على البيداء.
ويمكن الجمع بينهما: أن ابتداء إهلال النبي ﷺ كان من عند المسجد، حين ركب راحلته؛ فلما انبعثت به قائمة واتصل سيره في نسكه: أهل، ثم لما استوت به على البيداء،