للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

فركب راحلته، فلما انبعثت به أهلُهُ، فرآه عندئذ ابن عمر وسمعه فأخبر بما رأى وسمع، ثم إنه لما استقل وعلا على البيداء أهلُ مرة أخرى ليراه الناس جميعاً، وكان حينئذ في مكان مرتفع يراه منه الجميع، فشهد ذلك: ابن عباس، وجابر، وأنس، فأخبروا بما شهدوا وسمعوا، والله أعلم.

وقد جاء عن أحمد تصحيح القولين، فقد قال أحمد في رواية محمد بن الحكم: «يروى عن النبي أنه أفرد، عائشةُ عن النبي ، وجابر يروي الحج خالصاً، وعلي بن أبي طالب؛ أن النبي جمع بين الحج والعمرة، وكلُّ صحيح» [زاد المسافر (٢/ ٥٣٨/ ١٦٣٤)].

وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في شرحه على الرسالة لابن أبي زيد القيرواني (٢/ ١٠٥): «قال : ويحرم الحاج والمعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة.

قال القاضي : والأصل في ذلك أن رسول الله أحرم عقيب صلاة؛ قيل نافلة، وقيل مكتوبة؛ فلذلك استُحبَّه»، ثم ذكر الآثار الواردة في الباب، ومنها حديث أنس هذا، ثم قال: «فلهذه الروايات استحببنا أن يُحرم عقيب صلاة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وقد ترك الاختيار».

قلت: إنما أحرم رسول الله عقيب صلاة الظهر، ولم يخصص للإحرام صلاة بعينها، فمن أحرم عقيب صلاة فريضة حاضرة، فلا حرج، ومن أحرم عقيب صلاة الضحى فلا حرج، ومن أحرم عقيب صلاة الليل أو الوتر فلا حرج، وهكذا، فلا يخص الإحرام بصلاة معينة، وإنما يحرم عقيب صلاة فرضاً كانت أو نفلاً من غير تخصيص، ومن لم يفعل فلا حرج عليه، والله أعلم.

وقال ابن حزم في حجة الوداع (١٣٤): «ففي هذا الحديث بيان أنه صلى الظهر بالبيداء، وقد ذكرنا أنه أصبح بذي الحليفة، والبيداء قريب من ذي الحليفة، فصح أنه بقي بعد الإصباح بذي الحليفة حيناً طويلاً إلى قبل الظهر، فتيقنا أنه صلى الصبح بها، وأما الاغتسال فلا شك فيه عند مسلم، بعد طوافه على نسائه، وليس حديث الحسن عن أنس هذا مخالفاً لما نورده من إهلاله من مسجد ذي الحليفة؛ لأنه أهل من مواضع شتى، فصدق كل صاحبه؛ لأنه حكى ما سمع، وللزائد فضل مشاهدته وعلمه على ما يشاهده غيره، وبالله التوفيق».

وقال ابن حزم في حجة الوداع (٢٥٣): «فإنه وإن كان مقوياً لابن عباس في اليوم أنه كان الجمعة، إذ قد ذكر فيه أن إثر الصلاة كان الإحرام، والإحرام لم يكن يوم الخميس بيقين، إذ قد ذكرنا في ذلك الباب مبيته بذي الحليفة، وطوافه على نسائه في تلك الليلة، لا سيما أنهما قد ذكرا أن الإحرام كان إثر صلاة الظهر، وإثر صلاة الظهر من يوم الخميس إنما كان بالمدينة، فصح أنه كان يوم الجمعة، واتفق الحديثان، ولكنه قد يمكن أن نظن بحديث أنس أنه معارض بقوله: إنه صلى الظهر بالبيداء، لقول ابن عباس: إنه

<<  <  ج: ص:  >  >>