للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وحديث ابن عباس: من غمس نعله في دمه، وضربه به صفحته، والتخلية بينه وبين الناس، وإنما ذلك - والله أعلم -، ليكون علامة أنها مباح أكلها، وأنها الله فجعلها خارجة عن ملك صاحبها.

وأما قوله في حديث مالك: كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ فإن محمل هذا عند جماعة العلماء على الهدي التطوع لأنه هدي بعث به رسول الله ، ما في حديث ناجية وابن عباس فهو هدي تطوع لا يجوز لأحد ساقه أكل شيء منه، أقامه رسول الله مقام نفسه، «بما يلتزم محله ليأكله قبل وجوب أكله، قطعا للذريعة في ذلك».

وقال ابن قدامة في المغني (٥/ ٤٤١): «فصل: وإذا أوجب هديا فله إبداله بخير منه، وبيعه ليشتري بثمنه خيرا منه. نص عليه أحمد. وهو اختيار أكثر الأصحاب، ومذهب أبي حنيفة.

وقال أبو الخطاب: يزول ملكه عنه، وليس له بيعه ولا إبداله. وهو قول مالك، والشافعي؛ لأنه حق متعلق بالرقبة، ويسري إلى الولد، فمنع البيع، كالاستيلاء، ولأنه لا يجوز له إبداله بمثله، فلم يجز بخير منه، كسائر ما لا يجوز بيعه.

ووجه الأول، أن النذور محمولة على أصولها في الفرض، وهو الزكاة، يجوز فيها الإبدال، كذلك هذا، ولأنه لو زال ملكه لم يعد إليه بالهلاك، كسائر الأملاك إذا زالت.

وقياسهم ينتقض بالمدبرة يجوز بيعها، وقد دل على جواز بيع المدبر أن النبي باع مدبرا. أما إبدالها بمثلها أو دونها، فلم يجز؛ لعدم الفائدة في ذلك».

وقال ابن قدامة أيضا في المغني (٥/ ٤٣٧ - ٤٤١): (مسألة قال): وإن كان ساقه تطوعا، نحره في موضعه، وخلى بينه وبين المساكين، ولم يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته، ولا بدل عليه.

وجملة ذلك أن من تطوع بهدي غير واجب، لم يخل من حالين؛ أحدهما: أن ينويه هديا، ولا يوجب بلسانه ولا بإشعاره وتقليده، فهذا لا يلزمه إمضاؤه وله أولاده ونماؤه والرجوع فيه متى شاء، ما لم يذبحه؛ لأنه نوى الصدقة بشيء من ماله، فأشبه ما لو نوى الصدقة بدرهم.

الثاني: أن يوجبه بلسانه، فيقول: هذا هدي، أو يقلده أو يشعره، ينوي بذلك إهداءه، فيصير واجبا معينا، يتعلق الوجوب بعينه دون ذمة صاحبه، ويصير في يدي صاحبه كالوديعة، يلزمه حفظه وإيصاله إلى محله، فإن تلف بغير تفريط منه، أو سرق، أو ضل، لم يلزمه شيء، لأنه لم يجب في الذمة، إنما تعلق الحق بالعين، فسقط بتلفها، كالوديعة.

وقد روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله يقول: «من أهدى تطوعا ثم ضلت، فليس عليه البدل، إلا أن يشاء، فإن كان نذرا فعليه البدل». وفي رواية قال: «من أهدى تطوعا، ثم عطب، فإن شاء أبدل، وإن شاء أكل، وإن كان نذرا فليبدل» [سيأتي بيان أنه لا يثبت رفعه؛ إنما هو موقوف على ابن عمر].

<<  <  ج: ص:  >  >>