بِدَوْلَتِكُمْ، الأَغْنِيَاءِ الأَغْبِيَاءِ، الَّذِيْنَ خَسِرُوا اللهَ فِيْكُمْ، فَحَسَّنُوا لَكُمْ طَرَائِقَكُمْ، وَالعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ، وَلَا يَغُرُّهُ مَدْحُ مَنْ لَا يَخْبُرُهَا.
وَكَتَبَ ابنُ عَقِيْلٍ إِلَى السُّلْطَانِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ "مَلِكْشَاه" (١) وَقَدْ كَانَتِ البَاطِنيَّةُ أَفْسَدُوا عَقِيْدَتُهُ، وَدَعَوْهُ إِلَى إِنْكَارِ الصَّانِعِ: أَيُّهَا المَلِكُ، اعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ العَوَامَّ وَالجُهَّالَ يَطْلُبُوْنَ اللهَ مِنْ طَرِيْقِ الحَوَاسِّ، فَإِذَا فَقَدُوْهُ جَحَدُوْهُ، وَهَذَا لَا يَحْسُنُ بِأَرْبَابِ العُقُوْلِ الصَّحِيْحَةِ؛ وَذلِكَ أَنَّ لَنَا مَوْجُوْدَاتٌ مَا نَالَهَا الحِسُّ، وَلَمْ يَجْحَدْهَا العَقْلُ، وَلَا يُمْكِنُنَا جَحْدُهَا لِقِيَامِ دِلَالَةِ العَقْلِ عَلَى إِثْبَاتِهَا، فَإِنْ قَالَ لَكَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: لَا تُثْبِتُ إِلَّا مَا تَرَى، فَمِنْ هَهُنَا دَخَلَ الإِلْحَادُ عَلَى جُهَّالِ العَوَامِّ الَّذِيْنَ يَسْتَثْقِلُوْنَ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ لَنَا هَذِهِ الأَجْسَادِ الطَّوِيْلَةِ العَمِيْقَةِ، الَّتِي تَنْمِي وَلَا تَفْسُدُ، وَتَقْبَلُ الأَغْذِيَةَ، وَتَصْدُرُ عَنْهَا الأَعْمَالُ المُحْكَمَةُ، كَالطِّبِّ، وَالهَنْدَسَةِ، فَعَلِمُوا أَنَّ ذلِكَ صادِرٌ عَنْ أَمْرٍ وَرَاءَ هَذِهِ الأَجْسَادِ المُسْتَحِيْلَةِ وَهُوَ الرُّوْحُ وَالعَقْلُ، فَإِذَا سَأَلْنَاهُمْ: هَلْ أَدْرَكْتُمْ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ بِشَيءٍ مِنْ إِحْسَاسِكُمْ؟ قَالُوا: لَا، لكِنَّنَا أَدْرَكْنَاهُمَا (٢) مِنْ طَرِيْقِ الاسْتِدْلَالِ بِمَا صَدَرَ عَنْهُمَا (١) مِنَ التَّأْثِيْرَاتِ قُلْنَا: فَمَا
(١) جَلَالُ الدَّوْلَةِ مَلِكْشَاه بنُ أَلْب أرْسَلَان السُّلْجُوْقِيُّ التُّرْكِيُّ (ت: ٤٨٥ هـ). أَخْبَارُهُ في: المُنْتَظَمِ (٩/ ٦٩)، وَأَخْبَارِ الدَّوْلَةِ السَّلْجُوْقِيَّةِ (٥٥)، وَسِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٩/ ٥٤)، وَوَفَيَاتِ الأَعْيَانِ (٥/ ٢٨٣).(٢) في (أ)، (ج)، (د) " أدركناها … عنها".
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute