رَأَتْنِي خَاضِبًا شَيْبِي … فَسَمَّتْنِي أَبَا العَيْبِ
فَظَهَرَ الغَيْظُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَامَ فَذَهَبَ (١)، فَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: أَيْشٍ عَمَلْتَ؟ هَذَا أَوَّلُ مَنْ جَاءَكَ مِنَ الحَنَابِلَةِ لَقِيْتَهُ بِمَا يَكْرَهُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: هُوَ يَخْضِبُ، فَقُلْتُ: واللهِ مَا عَلِمْتُ، وَلَا حَضَرَنِي مِنْ شِعْرِ ابنِ الكِيْزَانِيِّ إِلَّا هَذَا. ثُمَّ عَادَ ابنُ نُجَيَّةَ وانْتَقَلَ إِلَى "مِصرَ" مِنْ قَبْلِ دَوْلَةِ صَلَاحِ الدِّيْنِ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَكَانَ يَعِظُ بِهَا بـ"جَامِعِ القَرَافَةِ" مُدَّةً طَوِيْلَةً، وَلَهُ فِيْهَا وَجَاهَةٌ عَظِيْمَةٌ عِنْدَ المُلُوْكِ.
وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: كَانَ ذَا رَأْي صَائِب، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّيْنِ -يَعْنِي يُوْسُفَ بنَ أَيُّوْبٍ- يُسَمِّيْهِ عَمْرَو بنَ العَاصِ، وَيَعْمَلُ بِرَأْيِهِ.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: كَانَ صَلَاحُ الدِّيْنِ يُكَاتِبُهُ، وَيَحْضُرُ مَجْلِسَهُ هُوَ وأَوْلَادُهُ: العَزِيْزُ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ لَهُ جَاهٌ عَظِيْم، وَحُرْمَةٌ زَائِدَةٌ.
وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ بـ"مِصرَ" لَا يَخْرُجُوْنَ عَمَّا يَرَاهُ لَهُمْ زَيْنُ الدِّيْنِ -يَعْنِي ابنَ نُجَيَّةَ- وَكَثيْر مِنْ أَرْبَابِ الدُّوْلَةِ. وَقَالَ لَهُ المَلِكُ العَزِيْزُ عُثْمَانُ بنُ صَلَاحِ الدِّيْنِ (٢): إِذَا رَأَيْتَ مَصْلَحَة فِي شَيْءٍ فاكْتُبْ إِلَيَّ
= فِي مَوْضِعِهِ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّ لَهُ دِيْوَانَ شِعْر جَمَعَهُ عَلِي صَافِي حُسَيْن وَطُبعَ فِي دَارِ المَعَارِفِ بـ"مِصْرَ".(١) ألَّفَ ابْنُ الجَوزِيِّ كِتَابًا في الشَّيْبِ وَالخِضَابِ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تَرْجَمَتِهِ، وَلَعَل هَذِهِ الْقِصَّةَ وَالحِكَايَةَ هِيَ الَّتِي دَفَعَتْهُ إِلِى تَأْلِيْفِهِ.(٢) هُو السُّلْطَانُ المَلِكُ العَزِيْز أَبُو الفَتْحِ وَأَبُو عَمْرٍو (ت: ٥٩٥ هـ) صَاحِبُ عَدْلٍ وَمُرُوْءَةٍ وَدِيْنٍ، وَلَهُ سَمَاعٌ لِلحَدِيْثِ. أَخْبَارُهُ في: الكَامِلِ فِي التَّارِيْخِ (١٢/ ١٤٠)، وَالتَّارِيْخِ =
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute