الواجب، والصلاة على نبيه المخصوص بالمناقب، فإنَّ الشعر زبدة الأدب، وديوان العرب. كانوا في جاهليتهم يعظمونه تعظيم الشرائع، ويعدّونه من أعلى الذرائع. وجاء الإسلام فأجراه على الرسم المعهود في قطع لسان قائله بالجود، وإذا طالعت الأخبار، وصح عندك ما فاض من إحسان النبي ﷺ إلى حسّان بن ثابت، وخلعه البردة على كعب بن زهير، واهتزازه للشعر الفصيح، وقوله ﷺ: إنَّ من الشعر لحكمًا، علمتَ أنَّ أكثر الشعر سنة ألغاها الناس لعمى البصائر، وتركيب الشح في الطباع.
وقد كنتُ في عنفوان الصبا ألم به إلمام الصَّبا بخزامى الربى، وأنظمه في غرض يستدعيه لأذن تعيه، فلما دفعت إلى مضائق الغربة جعلته وسيلة تستحلب بها أخلاق الشيم، وتستخرج بها درر الأفعال من أصداف الهمم، حتى إذا خلا الزمان من راغب في منقبة تُحمد، ومأثرة تُخلَّد، وثبت في الانزواء على فريسة لم يزاحمني فيها أسد، ولا يرضى بها أحد، على أنَّ مَنْ سالمه الزمان، أجناه ثمر الإحسان، ومن ساعدته الأيام، أعثرته على الكرام، وذلك أن الوزير بهاء الدين التمس منّي جمعَ فِقَرٍ من شعري يروض نفسه لحفظها، وتأمل معانيها ولفظها، فعلمتُ أنَّ الكريم على العلياء يحتال.
وقد جمعت مما قلت فيه، وفي غيره ألف بيت ضاق نطاق الوقت عن تنقيحها، وإماطة سقيمها عن صحيحها، والاعتماد على كرم الناظر والمتأمل لها، ومن الله ﷾ التسهيل، وهو حسبي ونعم الوكيل عليه توكلت وإليه أنيب.
ومنهم:
[١٩٠] أفضل الدولة، أبو المظفر، محمد بن أبي العباس أحمد الأبيوردي (١)
صدر من صدور خراسان، وبدور آفاقه الحسان، بَحْرُ أدب لا تُدرك قرارته، وبدر
(١) محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد أبي العباس أحمد بن إسحاق الابيوردي المعاوي. نسبة إلى معاوية الأصغر أبو المظفر الأموي. كان من أبيورد وجاء إلى بغداد وتولى فيها الإشراف على خزانة دار الكتب بالنظامية بعد القاضي أبي يوسف يعقوب بن سليمان الاسفرائني المتوفى سنة ٤٩٨ هـ وخاف أخيرًا من سعي أعدائه عند الخليفة المستظهر العباسي أحمد بن المقتدى المتوفى سنة ٥١٢ هـ لاتهامه بهجو الخليفة ومدح صاحب مصر ففر إلى همذان، ثم سكن أصفهان حتى توفي فجأة أو مسمومًا سنة ٥٠٧ هـ/ ١١١٤ م. وأخذ الابيوردي عن جماعة، وذكروا أنه كان من أخبر الناس بعلم الأنساب، متصرفًا في فنون جمة من العلوم، وافر العقل، كامل الفضل، وكان =