للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومنهم:

[١٩٢] أبو الحسن، أحمد بن منير الطرابلسي (١)

لو نازع البحر غصبه مغاصه، ولو نازل الفلك لأزال اعتياصه. هذا يستل درَّه، وهذا يستلب زهره، وهذا يفاضل مَدَّه، وهذا يناضل سعده، وكلاهما دون ذهنه يقف، ومن صَوْبِ خاطره يكف. له قصائد موشّحة بالسُّخُب ذات بيوت تقصر عن مطاولتها الشهب، ولا تسكنها إلا الكواعب الأتراب والخُرَّد العُرُب، إلا أنه كان رافضيًا خبيث اللسان، مهينًا لأعراض الرجال، يسهل عليه الهوان لا يسلم أحد من هجائه، ولا تُظلم في الذم مواقف هيجائه، وبينه وبين ابن القيسراني العداوة المذكورة آنفًا فلا تحتاج واصفا. وهجا الصحابة ، ونال - لا نول الله أمله - ما شاء منهم.

وكان أبوه ساقطًا وضيعًا يغنّى في الأسواق، ويتغنّى وما هزته الأشواق، ونشأ ابنه على هذا في الميل إلى التنقل والأسفار معهم في كلّ سفرة يقنع فيها من الغنيمة بالقفل، ثم أخذ الأدب عن مشايخ سوء رفضوه بل أبعدوه عن مطاولة النظراء، ورفضوه. وذكره الحافظ ابن عساكر فقال: حدّث الخطيب السديد أبو محمد عبد القادر بن عبد العزيز خطيب حماة قال: رأيت أبا الحسين بن منير الشاعر في النوم بعد موته وأنا على قُرنة بستان مرتفعة فسألته عن حاله، وقلت له: اصعد إلى عندي. فقال: ما أقدر من رائحتي. فقلت: تشرب الخمر؟ فقال: شرًّا من الخمر يا خطيب. فقلت: ما هو. قال: تدري ما جرى عليّ من هذه القصائد التي قلتها في مثالب الناس؟ فقلت له: ما جرى عليك منها؟ فقال: لساني قد طال وثخن، وصار مد البصر، وكلّما قرأت قصيدة منها قد


(١) أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح، الأطرابلسي الرفاه، أبو الحسن مهذب الدين: شاعر مشهور من أهل طرابلس الشام. ولد بها سنة ٤٧٣ هـ/ ١٠٨٠ م، وسكن دمشق، ومدح السلطان الملك العادل (محمود بن زنكي) بأبلغ قصائده. وكان هجاء أمرًا حبسه صاحب دمشق على الهجاء، وهم بقطع لسانه، ثم اكتفى بنفيه منها، فرحل إلى حلب وتوفي بها سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م، له «ديوان شعر» جمعه وحققه د. سعود محمود عبد الجابر، بعنوان «شعر ابن منير الطربلسي» ط الكويت ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م ثم جمع شعره د. عمر عبد السلام تدمري، مما وجده في كتب التاريخ والأدب بعنوان «ديوان ابن منير الطرابلسي» ط لبنان ١٩٨٦ م.
ترجمته في: وفيات الأعيان ١/ ٤٩ والروضتين ١/ ٩١ خريدة القصر - قسم الشام ١/ ٧٦ - ٩٥ والنجوم الزاهرة ٥/ ٢٩٩ ونسمة السحر ١/ ١٧٢ - ١٨٠ وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٢٣ - ٢٢٤ رقم ١٤٣، ومرآة الزمان ٨/ ٢١٧ وهو فيه «الرفاء». الأعلام ١/ ٢٦٠، معجم الشعراء للجبوري ١/ ٢٣٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>