تجاوَيْنَ في الأفنان حتى كأَنَّما … تجاوب فيهن اليراع المُجَوَّفُ
ومنهم:
[١٧٩] الأمير أبو الفتيان، مصطفى الدولة، محمد بن حيوس (١)
من بيت خيم على منازل النجوم فخاره، وحرَّم على مناهل الغيوم مطاره كان يدعى بالأمير؛ لأنَّ أباه كان أميرًا، وكان بما يقيت القلوب مميرًا، لا تَرِدُ المسامع منه إلا نميرًا، ولا تجد المجامع به إلا للكواكب سميرًا، ويده في هذه الصناعة لا يُماثل صَنَاعُها، ولا يقاس بشيء إلا وطال عليه في القياس ذراعها. وديوانه كبير الحجم، منير الجوانب كأنَّما طلع في آفاقه النجم، وقد اعتمد فيه الجناس فأكثر منه حتى كدَّر صَفْوَه الزلال، وعسر عفوه حتى كاد يبطل به عمل سحره الحلال ومدح الملوك، والأمراء، والوزراء، وحصل النعمة والثراء، وكان جملة فخر وقلة ثبات لا يدهده له صخر.
حكى ابن خلكان (٢) أنَّ أباه كان من أمراء العرب، وأنه من شعراء الشام ولد بدمشق، وتوفي في حلب، وكان هو وأبوه في تلك الأيام من أهل اللقب، وله مفاخر باقية على الحقب، وكان يتردّد إلى البادية أحيانًا، ويتخذ له مما حول الريان أوطانا، فأتت على أشعاره فصاحة البدو، ولطف الحضر، وجاءت فيها مواضع كأنما خرجت من ألسنة العرب، ومرت بنعمان الأراكِ يحدو بها الطرب، وأخذت من أفواه سكان الأجيرع فجاءت بضرب من الضَّرَب، ومالت أدواحا، ولا مَستِ النفوس فجرت فيها أرواحا،
(١) وهو الأمير مصطفى الدولة محمد بن سلطان بن حيوس من قبائل نجد التي نزحت إلى العراق والشام، وكان حيوس هذا من أهل دمشق، ولد أبو الفتيان سنة ٣٩٤ هـ تلقى العلم على جماعة من أهله، ثم على علماء وأدباء دمشق، ثم جاء إلى دمشق أنو شتكين الدزبري قائد الحاكم بأمر الله الفاطمي، فلقيه ابن حيوس، فلما استتب الأمر لهذا القائد في الشام واستولى على دمشق، كان ابن حيوس شاعره وبعد موت أنوشتكين، انقطع ابن حيوس للوزير الياروزي، وبعد زوال حكم الفاطميين تنقل بين طرابلس وحلب ونال حظوة عند حكامها وبخاصة في حلب وقد أجزلوا له العطاء حتى توفّى في حلب سنة ٤٧٣ هـ، تأثر ابن حيوس بمدرسة البحتري وأبي تمام من الاهتمام بالديباجة، والبديع، والجناس، وإذا كان شاعرنا من شعراء الشام فإنه في مقدمة شعرائها عربي اللفظ وقوي التراكيب طويل القصيد، على علم متين بفروع اللغة، قال الشعر في جميع أغراضه واهتم بالمديح، ثم بالوصف والرثاء والغزل والحنين إلى الوطن. له «ديوان شعر» عني بنشره وتحقيقه خليل مردم بك طبع بدمشق ١٣٧١ هـ/ ١٩٥١ م. ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ١٠، الوافي، ٣/ ١١٨، معاهد التنصيص ٢/ ٢٧٨. الأعلام ٦/ ١٤٧، معجم الشعراء للجبوري ٥/ ٣٧. (٢) وفيات الأعيان ٤/ ٤٣٨.