للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كما طَنَّ في العِظام ذُبَابُ البَتّارِ، مُغرمًا بمطالعةِ الكُتب، أُلزِمُها العين شطرًا فشطرًا، وأكاد أقشِرُها بمحَكَ النَّظَرِ سطرًا فسطرًا، وبلغني أنَّ بعضًا من جُناةِ ثَمَرتي ورماة مَدَرَتِي، يَزْعُمُ أنَّ عَليًّا قد أنجب به إزمانُ والدَيْهِ، وليس كذا ولا ردًّا عليه، ولكن ربما أخلف وميض المُزْنِ الراعِدِ، وكذبَ صَلِفٌ تحتَ الغَيم الراعِدِ، وما عِندي من هذه الصناعة إلا تكثير سوادها، وإن كُنْتُ فُسْكل آمادِها، ولما أضرَّ بي طول الجمام، وقَرِمتُ إلى علكِ شكيمة اللجام، خلعتُ عِذاري على الاسْتِنانِ، ورقصتُ مَرَحًا في سير العنان، وعَهْدُ الصبا مُخيّم ما انتقَلَ، والوجه بالنبتِ موشّمٌ هَمَّ وما بقلَ، والخطان المتوردان من يمينه ويساره لم يتصافحا، والضّدّانِ المتناقضان من ليله ونهاره لم يتصالحا.

ومنه:

وسرتُ والمُشيعون يدرون على الهواء فُتات الأكباد، والمودّعون يزرّون لعناق التوديع أعضادهم على الأجياد.

ومنه:

فلم يحفل بحمارة قيظ حَوها محموم، ورشحها يحموم، يتوسَّدُ وَحشُها ظِلَ الأرطاةِ، وتَسجرُ رمضاؤها وطيس الأفحوص على القطاة، واعتنق على التهاب الصّرامِ أمرها، والتقط التقاط النعامِ جَمرَها، وكفى بالعلم مَفْخرًا، يقدعُ به أنوف المفاخرينَ، وبالثناء الجميل مدخرًا، وهو لسان الصدق في الآخرين.

ومنه:

وقد وليتُ وجهي شطر الفضلاء والوجاءِ، وبسطتُ حِجْري لالتقاط دُرَرِ الشَّفاءِ، وتركتُ اليراع، التي هي أنبوب من رمح البراعة، يطول انضمامها إلى أناملي سادسةً لخامسها. والمداد الذي هو مُستسقى أَرشية الأقلام مَنْهلًا مُنْهلًا لخوامسها. لا جرم أحمدتُ سُراي عند الصباح، ونادى بي داعي الخَيرِ: حَيَّ على الفلاح، وهَيَّأَ الله لي من أمري رُشْدًا، وثَمَّر لي من طُولِ مُعاناة المخْضِ زُبدًا، وتحقَّقَ لي كل ظن بما تَجمَّعَ لي من كلّ فَن، فكأنَّ الأرضَ ذُلِّلَتْ لي على امتناع جوانبها، فمشيتُ في مناكبها، وزُوِيتْ لي الفضلاء من مشارِقِها ومغاربها، وكأني في تخليد آثارهم وتجديد الدارس من آثارهم، قبلي من اللواقح السَّواحِبِ، ذُيولها على الأرض الخاشعة إحياء لمواتها أو ربعي من السوافح النوافخ في صُورِ رَعدِها على الرَّوضَةِ الهائجة إنشارًا لنباتها. فلله سلّم فيه ارتقيتُ، وأعيان بهم التقيتُ، ونُجوم بأيهم اقتديت اهتديت، وإنْ لم يَتَيَسَّرِ الوصول إليها والفراغ منها، إلا وقد وَخَط القَتيرُ، وطلع النذير، وانضم الخيط الأبيض من الفجر إلى الخيط الأسود من الشَّعرِ، فَخَلَّى الفَوْدَ مُشتعِلًا والفؤادَ مُشتغلًا، وأضاف

<<  <  ج: ص:  >  >>