للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الدود إلى الذود فصارت إبلًا.

ومنه في تقريظه لبعض مَنْ لقيه:

عهدته بها وبنانه ضُرَّة المزن في السخاء، ولسانه خليفة السيف في المضاء.

فهؤلاء سادات من عظام الصدرو، وصارت صدروهم عظامًا، وكبار من هامات الرؤوس، أطارت رؤوسهم هاما: [من الطويل]

رُبى حولها أمثالها إن أتيتَها … قَرَيْنَكَ أشجانًا وهُنَّ سكون

وقد بعثرتُ من دفائنهم ما تَعْظُم أخطاره عند أولي المروءة، وملكت من خزائنهم ما إن مفاتحه لتنوء بالعُصبة أولي القُوَّة ثم نقفُ منهم على أطلال الماضينَ نَتَرسَّمُها، ولا نكاد نعينها إلا أوارِي لأيًا ما أُبينها، فنُباكي حَمامَ الأَيكِ شَجوًا، ونصوغ على وزان أسجاعها شدوًا.

ومنه:

وما أشبه ذلك الفاضل إلا بخصب ورثناه في رحالنا من أمدادِ سيولٍ غاضت فعشنا في معروفها بعد غيضها، أو بعنبر دَسَره إلى سواحل أمصارنا أمواج بحور فاضت فتلهفنا على فوات فيضها، فأصبح كلّ منهم ممتلئ الصرة على فراغ الجنان مثني الحقيبة على سكوت اللسان، فهي الرتبة العالية قربت درجتها للمُرتَقين، والجنة العاجلة أُزْلفتْ طَيِّبَاتُها للمتقين.

ومنه:

وهذا حين أسوقُ صدر الكتاب إلى العجز، كما يُساق الماء إلى الأرضِ الجُرُز. وكنت على ألا أوارد الثعالبي في يَتِيمَتِهِ، ولا أزاحمه في كريمته، إلا ما تجذبني شُجونُ الأحاديث إليه، فأفرغ كلامي عليهِ. ممن رأيته فكان لقاؤه لعيني كحلًا، أو سمعتُ به فكانت أخباره لِسَمْعي نُحلًا، ولولا تكرار الكؤوس، لما استقرت الأطرابُ في النفوس، ولا استَقلَّتْ صُبابَ الخُمارِ عن الرؤوس، والحياة على حُسنِ مَساقِها وطيب مذاقها ما جاوزت النَّفَسَ إلا ودّت مَعادَهُ، وحُبّها لِكُلِّ من الحيوانات عادة. حتى أنَّها تُمل إذا كُرَّرتْ عليها، ولا تُكْرَهُ إِذا رُدَّتْ إليها، فإِنَّ فِي الزَّوايا منهم بقايا، قد أُرخي لَهُمْ إلى عصرنا هذا طول البقاء، وبقي مِمَّا أَسْأَرَتْهُ شِفاهُ الفَناء صُبابة في قعر الإناء، وأنا إذا كسرت على ذكر شعراء العصرِ جريدةً فريدةً، ثم انْتَهيتُ إلى مكانهم منها، فأسقَطْتُ شُدُورَهُم مِنَ النِّظام، وطفرتُ إلى مَنْ وَراءَهم طفرة النظام، لمن آمن أنْ يُقال: هذا رجلٌ ضَيقُ العَطن، قصير الشَّطَنِ، قليلُ الثَّباتِ، نَزِقُ الوَثَباتِ، يَتَخَطّى رقاب الأحياء إلى رُفاتِ الأموات والوجه يملكُهُ الحَياءُ، وما يستوي الأموات والأحياء.

<<  <  ج: ص:  >  >>