للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كالفرقدين إذا تأمل ناظرٌ … لم يَعْدُ موضع فرقد عن فرقد

بل كما قال أبو إسحاق الصابي فيهما: [من الطويل]

أرى الشاعرين الخالديين سيرا … قضائد يفنى الدهر وهي تُخلَّدُ

جواهر من أبكار لفظ وعُوْنِهِ … يقصِّرُ عنها راجز ومقصد

تنازع قوم فيهما وتناقضوا … ومر جدال بينهم يتردد

فطائفةٌ قالت: سعيد مقدَّم … وطائفة قالت لهم: بل محمد

وصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهم … وما قلتُ إلا بالتي هي أرشد

هما في اجتماع الفضل زوج مؤلَّفٌ … ومعناهما من حيث يثبت مفرد

كذا فرقدا الظلماء لما تشاكلا … علًا أشكلا هذاك أم ذاك أمجد

فزوجهما ما مثله في اتفاقه … وفردهما بين الكواكب أوحد

فقاموا على صلح وقال جميعهم: … رضينا وساوى فرقد الأرضِ فرقد

وما أعدل هذه الحكومة من أبي إسحاق، فما منهما إلا محسن يخطب في حبل الإبداع ما أراد، ويكاثر محاسنه وبدائعه الأفراد، وقد ذكرتُ ما شجر بينهما وبين السرّي من دس أشعارهما في شعر كشاجم، وكان أفاضل أهل الشام والعراق إذ ذاك فرقتين إحداهما في شق الرجحان تتعصب عليه لهما لفضل ما رزقاه من قلوب الأكابر والملوك، والأخرى تتعصب له عليهما». انتهى كلام الثعالبي.

وهذا وقت الإثبات لما نختار لهما من الأبيات، ونبدأ بأبي بكر كما بدأ به الثعالبي؛ لأنه الأكبر. فمن شعره وقوله (١): [من الطويل]

دم المجد أجراه الطبيبُ وعُصّبت … على ساعد العلياء تلك العصائب

لئِنْ لاحَ في عَضْدِ الأمير نجيعُهُ … غداةَ جَرَتْ في الطست منه سبائب

فلا غرو للصمصام أنْ مسَّ حَدَّه … دمٌ وهو مصقول الغرارين قاضب

وليت الشرى لا تنكر العين أن ترى … برائِنُهُ مخضوبة والمخالب

وقوله يصف دارًا (٢): [من الوافر]

غدت دار الأمير كما رَوَيْنا … مِنَ الأخبارِ عَنْ حُسنِ الجنان

عَلَتْ جدرانها حتى لقلنا … سيُقصرُ عن مداها الفرقدان

وجال الطرف في ميدان صحن … يُردّ الطَّرف دون مداه واني


(١) القطعة في ديوان الخالديين ١٤ - ١٥ عن المسالك.
(٢) القصيدة في ديوان الخالديين ٩٨ - ٩٩ عن المسالك.

<<  <  ج: ص:  >  >>