هم ذلك أسرارهم، ونطلق من ربقة الطلب المستمر أسارهم، ونسامحهم بالأموال التي أهملوها، وهي كالأعمال محسوبة عليهم، ونعفيهم من الطلب بالبواقي التي نَسُوها كالآجال وهي مقدمة بين يديهم، ورسم بكذا، فليتقوا هذه النعمة بباع الشكر المديد، ويستقبلوا هذه المنة بحمد الله تعالى، فإن حمد الله تعالى يستدعي المزيد، ويقبلوا علي مصالحهم بقلوب أزال الأمن قلقها، وأذهبت هذه المسامحة المبرورة فرقها، ونفوس أمنت المؤاخذة من تلك التبعات بحسابها، ووثقت بالنجاة في تلك الأهوال من شدة طلب يأبى أن يفارق إلا بها، ولتعف أثار هذا الباقي بحيث لا يترك لطباقها في أموالنا انتساب، ولا يبقى لها إلى يوم العرض يورد ولا حساب.
ومنه قوله من توقيع خطيب:
وأشهد أن محمدًا عبده رسوله الذي بعثه إلى الأسود والأحمر، وجعله خطيبًا للأنبياء يوم المحشر، وأذعن كل شيء بنبوته حتى حَنَّ إليه الجذع اليابس حين عدل عنه إلى المنبر، وأقامه للمتقين إمامًا، ونشر له في الخافقين أعلامًا أعلامًا، وأمره بالتبليغ فقال: أنا سيد ولد آدم لا افتخارًا، بل تنبيهًا وإعلامًا ﷺ وعلى آله، وبلغه منا سلامًا. أما بعد، فإن أولى ما صرف إليه وجه الاهتمام، وصرف في تقرير أمره وتحرير ذكره صريف الأقلام، أمر الإمامة في الصلوت، وإقامة الجمعة والجماعات، وكذلك الخطابة التي ما زال خطبها في الإسلام جليلًا، والمترشح لها من الأنام قليلًا، وهما رتبتان متناجيتان في الشرف، ومعتنقتان اعتناق اللام للألف، قد رفعا إلى ذروة من العلياء، شامخة، ووضعا في محل لا ترقى إليه إلا قدم في الإقدام على المعالي راسخة، فإنَّ أعواد المنابر فلك تتنزل عن رتبته الأفلاك، وسماء يعرج فيها الملوك كما تعرج في السماء الأملاك؛ لأنها المرمى البعيد، والمرام الصعب الشديد، والمقام الذي يجتمع الناس له بالذكرى، من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١)، وإن المحراب باب منه إلى الله الوصول، ومقام بين يدي الله يفوق هوله كل مهول، فلا يدخله إلا من رفع دونه الحجاب، ولا يثبت فيه إلا من استغفر ربه، وخر راكعًا وأناب، ولذلك شفع مقامها الفرد بمن أصبح في الآفاق فردًا، وتعين بهذه الصفات في جامعها جامعها فكتب له بها عهدًا، ورسم أن يفوض إلى فلان؛ لأنه الواحد من علماء الآفاق، وأئمة الأمصار والحبر الذي علا كعبه على كل حبرٍ، فاستحق أن يكون كعب الأحبار؛ ولأنه الذي تفرد بجميع شروط