البصر، والحبيب الذي ما غاب عن القلب منذ حضر، وكان يداوم الدروس كأنها أنفاسه التي لا يملها، ويكرر المحافيظ كأنها أكياسه التي لا يحلها، رابئًا في الدأب، يحمل النفس على مكروهه، وفقهًا في المذهب يعرف على سمات البدور حسن وجوهه.
صحب أبا بكر الفارسي، وكان من أعيان تلامذة أبي بكر القفال الشاشي، وأقام بمرو، ناشرًا فقه الشافعي، وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ، وقلة النسيان، وله في المذهب وجوه غريبة نقلها الخراسانيون، وكان له معرفة بالحديث أيضًا.
وتوفي في عشر الثمانين والثلاثمائة.
ومنهم:
[١٨] سهل بن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان، أبو الطيب الصعلوكي، النيسابوري، الفقيه الشافعي (١)
صدر منشرح وأمل منفسح لم يزل قدره رفيعًا، ودهره له ربيعًا، وليله بأعماله الصالحة صديعًا، وكيوده بسيف حتفه صريعًا، وحسوده في نار الحقد بغيظه لا يكل إلا ضريعًا، كم أنقذ أملًا من الإملاق، وصان آمالًا عن الإخفاق، بعدما أطال عند غيره الطلب، وأنضى في قصد سواه المطية والقتب، وجرد له عزمًا، فما أغنى، ووقف بغيره، فكان كواقف على دارس المغنى. وما برح يصحب الدنيا حتى فارقها بالحسنى، واستبدل بالعرض الأدنى الجوهر الأسنى.
كان مفتي نيسابور، وابن مفتيها، وكان يقال له في وقته: الإمام، وهو متفق عليه. عديم المثل في علمه وديانته وكان فقيهًا، أديبًا، متكلمًا، خرجت له الفوائد من سماعاته، وقيل: إنه وضع له في المجلس أكثر من خمسمائة محبرة، وجمع رياسة
(١) ترجمته في: طبقات فقهاء الشافعية للعبادي ١٠٣، وطبقات الفقهاء للشيرازي ١٠٠، ووفيات الأعيان ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦ رقم ٢٨٤، والأنساب ٨/ ٦٤، وتبيين كذب المفتري ٢١١ - ٢١٤ في ترجمة أبيه، وتهذيب الأسماء واللغات ج ١ ق ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩ رقم ٢٣٩، والعبر ٣/ ٨٨، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٠٧ - ٢٠٩ رقم ١٢١، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٤/ ٣٩٣ - ٤٠٤، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٢٦ - ١٢٧ رقم ٧٢٣، والبداية والنهاية ١١/ ٣٢٤ - ٣٤٧، ومرآة الجنان ٣/ ١٢، والوافي بالوفيات ١٢/ ١٦ - ١٣ رقم ١٦، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ١٨٥ رقم ١٤٣، وطبقات الشافعية لابن هداية الله ١٢٢ - ١٢٣، وتاريخ الخلفاء ٤١٦، وشذرات الذهب ٤/ ١٧٢، وكشف الظنون ١١٠٠، وهدية العارفين ١/ ٤١٢، وديوان الإسلام ٣/ ٢١٠، رقم ١٣٣٤، والأعلام ٣/ ١٤٣، ومعجم المؤلفين ٤/ ٢٨٤، تاريخ الإسلام (السنوات ٤٠١ - ٤١٠ هـ) ص ١٠١ رقم ١٣٦.