للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان والده الشيخ أبو محمد في أول عمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كتب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح، ولم يزل يطعمها من كسب يده أيضًا إلى أن حبلت بإمام الحرمين، وهو مستمر على تربيتها بمكسب الحل، فلما وضعته أوصاها أن لا تمكن أحدًا من إرضاعه، فاتفق أنه دخل عليها يومًا وهي متألمة، والصغير يبكي، وقد أخذته امرأة من جيرانهم وشاغلته بثديها فرضع منه قليلًا، فلما رآه شق عليه وأخذه إليه، ونكس رأسه، ومسح على بطنه، وأدخل إصبعه في فيه، ولم يزل يفعل به ذلك حتى قاء جميع ما شربه، وهو يقول: يسهل علي أن يموت، ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه.

ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه فترة في بعض الأحيان في مجلس المناظرة فيقول: هذا من بقايا تلك الرضعة.

ومولده في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال نيسابور يقال لها بشتنفان موصوفة باعتدال الهواء وخفة الماء، فمات بها ليلة الأربعاء، وقت العشاء الآخرة، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ونقلل إلى نيسابور تلك الليلة ودفن من الغد بداره، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، فدفن بجنب أبيه، وصلى عليه ولده أبو القاسم، وأغلقت الأسواق يوم موته، وكسر منبره في الجامع، وقعد الناس لعزائه، وأكثروا فيه المراثي، وكانت تلامذته يومئذ قريبًا من أربعمائة واحد، فكسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا على ذلك عامًا كاملًا.

ومنهم:

[٣٢] عبد الرحمن بن محمد، أبو سعد المعروف بالمتولي، الفقيه الشافعي، النيسابوري (١)

قدوة الفقهاء، وأسوة القمر في البهاء، تصدر بلا ازدهاء، وبلغ مدى أمانته


(١) ورد اسمه في بعض المصادر: «عبد الرحمن بن مأمون بن علي … »
ترجمته في: المنتظم ٩/ ١٨ رقم ٢١ (١٦/ ٢٤٤ رقم ٣٥٤٣)، والكامل في التاريخ ١٠/ ١٤٦، ووفيات الأعيان ٣/ ١٣٣ - ١٣٤، وتاريخ دولة آل سلجوق ٧٥، والعبر ٣/ ٢٩٠، ودول الإسلام ٢/ ٨، والإعلام بوفيات الأعلام ١٩٧، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٨٥ - ٥٨٦ رقم ٣٠٦، ومرآة الجنان ٣/ ١٢٢ - ١٢٣ وفيه: «عبد الرحمن بن محمد»، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ٢٢٣ - ٢٢٥، =

<<  <  ج: ص:  >  >>