يثق إليه: الكتب في المكان الفلاني تصنيفي كلها، وإنما لم أظهرها؛ لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى لم يشبها كدر، فإذا عاينت الموت، ووقعت في النزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها، فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب، وألقها في دجلة ليلًا، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك، فاعلم أنها قد قبلت، وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة، قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت، وضعت يده في يدي، فبسطها، ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه.
وذكر الخطيب في أول تاريخ بغداد (١) عن الماوردي المذكور قال: كتب إلي أخي من البصرة وأنا ببغداد: [من البسيط]
طيب الهواء ببغداد يشوِّقُني … قِدْمًا إليها وإن عاقت مقادير
فكيف صبري عليها الآن حينَ غَدا … بها هواءان ممدود ومقصور
وكان أبو الحسن الماوردي من أهل البصرة، وما كان يؤثر مفارقتها، فدخل بغداد كارهًا لها، ثم طابت له، ونسي البصرة، فشق عليه فراقها، فلما خرج من بغداد راجعًا إلى البصرة، كان ينشد أبيات الأحنف بن قيس:[من الوافر]
أقمنا كارهين لها فلما … ألفناها خَرَجْنا كارهينا
وما حُبُّ البلاد بنا ولكن … أمرُ العيشِ فُرْقَةُ من هوينا
خرجت أقر ما كانت لعيني … وخلَّفتُ الفؤاد بها رهينا
وقد نسب السمعاني هذه الأبيات إلى أبي محمد المزني.
وتوفي الماوردي يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، ودفن من الغد وعمره ست وثمانون سنة.
ومنهم:
[٢٧] الحسين بن محمد بن أحمد المَرْوَزِي، الفقيه الشافعي المعروف بالقاضي (٢)
زين بنيره سماء الفضائل، وبين بقدره قدر البدر المتضاءل، فأخفق منى مناوئه،
(١) تاريخ بغداد ١/ ٥٤. (٢) ترجمته في طبقات فقهاء الشافعية للعبادي ١١٢، والمنتخب من السياق ٢٠١ رقم ٥٩٨، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٦٤ رقم ١٢٥، ووفيات الأعيان ٢/ ١٣٤، ١٣٥ رقم ١٩٣، والعبر ٣/ ٢٤٩، =