تستر الزغل بخافي الوهم لأخرجه، أو جاز الزيف في دراهم النجوم لبهرجه، وكان يتوقى نظره، ويخافه المريب فلا يحضره، فتعالى من جعل شمل الشتات به ملمومًا، وفخر الأشتات إليه مضمومًا.
أخذ الفقه عن ابن سريج، واشتهر بالحذق في النظر والقياس، وعلم الأصول، وله في أصول الفقه كتاب لم يسبق إليه.
حكى أبو بكر القفال: أن أبا بكر الصيرفي كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي، وهو أول من انتدب من أصحاب الشافعي للشروع في علم الشروط، وصنف فيه كتابًا أحسن فيه كل الإحسان.
وتوفي يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وثلاثمائة.
ومنهم:
[١٢] أحمد بن أبي أحمد، المعروف بابن القاص الطبري (١)، أبو العباس، الفقيه الشافعي
رجل أتم على الأمة نعمتها، وسر صدور الشريعة وأئمتها، وصرف قلمه بما صدَّ صروف الأيام، وكفى صنوف الآلام. وتصانيفه كبرت نجمًا، وإن صغرت حجمًا، ملأ منها القطر الإناء فأفعمه، وسما إلى اللسان فأفحمه، ولم يزل الدهر يتعصب لفضله، وتتمتع العيون بلألاء شمسه، وبرد ظله، حتى جلس مجلس ذكر، كان هو فيه أول من أجاب الداعي، وقدم منه على رتبة مشكورة المساعي.
كان إمام وقته بطبرستان، وأخذ الفقه عن ابن سُرَيج، وصنف كتبًا كثيرة جميعها صغيرة الحجم، كثيرة الفائدة، وكان يعظ الناس، فانتهى في بعض أسفاره إلى طرسوس، وقيل: إنه تولى القضاء بها، فعقد له مجلس وعظ وأدركته رقة وخشية وروعة من ذكر الله فخر مغشيًا عليه.
(١) ترجمته في: طبقات فقهاء الشافعية للعبادي، ٧٣، طبقات الفقهاء للشيرازي ٩١، طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ١٠٣، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ١٠٧ - ١٠٨ رقم ٥٢، طبقات الشافعية لابن هداية الله ٦٥ - ٦٦، وفيات الأعيان ١/ ٦٨ - ٦٩، الوافي بالوفيات ٦/ ٢٢٧، النجوم الزاهرة ٣/ ٢٩٤، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٥٢، دول الإسلام ١/ ٢٠٩، العبر للذهبي ٢/ ٢٤١، سير أعلام النبلاء ١٥/ ٣٧١ - ٣٧٢ رقم ١٩٢، مرآة الجنان ٢/ ٣١٩، شذرات الذهب ٢/ ٣٣٩، معجم المؤلفين ١/ ١٤٩، البداية والنهاية ١١/ ٢١٩، تاريخ الإسلام (السنوات ٣٣١ - ٣٥٠ هـ) ص ١٢١ - ١٢٢ رقم ١٦٢.