الذي تحمله الغصون، وتذيع الريح سره المصون، ويذبل به ورد الشفق فلا يوصف بالخفر، ولا يوجد منه الخبر مثل الخبر، بل لو قابله الورد في غصونه لأطرق، ولعلم أنه بنار الحسد لماء ورده يحرق، وعلم أنه لمداناته وقع في جور جور، وألقى حمًا في التنور المسجور، وفعل به فعل مردة العفاريت، فأدخل في قمقمه وسد، وأوثق عليه الوكاء وشد، وحين أرسل عليه شواظ من نار ونحاس، وحبس حبس الجن لا الناس، بعد ما خلع من سندس الورق إزاره، وفككت من عرى الغصون أزراره، وسحب نجمه المريخي مصفودًا من الأفق، وأصبح مرميًا على الطرق، وظل مصلوبًا على شجرة، منكس الرأس مائل العنق، وغدا يوقت له الأوان، ويرمى في سوق الهوان، بل هو من ورد الخد الذي تكلل بلؤلؤ العرق، وتموج فلولا ناره لشرب ولولا ماؤه لاحترق، وجاء بما يفخر به نيسان على الزمان، ويذخر منه في قعر البحر الجمان، لا بل هو الورد الذي لا يذوى حسنه، ولا يلوى غصنه، والعنبر الورد الذي تفتقه الأذهان، وتشققه البحار، فيعز، والعنبريهان، من العلم الذي يدني جني الجنان، ويدوم، وقد ذوى الزهر، وفنيت الأفنان، وكان بحره الذي لا يشق، وغمامه الذي لا تخمد له جمرة برق، وصدر مدارسه، ومصدر مجالسه، ومفيد طلبته، ومفيت المطامع قدر رتبته، ومفيء دوحه الفينان على عصبته، ومستخرج دقائقه، ومستدرج الأفهام إلى حقائقه، والمتكلم في مذهب ابن إدريس مما حوى حاويه، بما لو سمعه لسره، ولو جمعه في حجر أمه لظهر على الأم في المسرة. وولي القضاء فما نقص منه، ولا ضره.
كان من وجوه الفقهاء الشافعية من كبارهم، وأخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري بالبصرة، وعن الشيخ أبي حامد الإسفراييني ببغداد، وكان حافظًا للمذهب، وله كتاب «الحاوي» الذي لم يطالعه أحد إلا شهد له بالتبحر والمعرفة التامة بالمذهب، وفوض إليه القضاء ببلدان كثيرة، واستوطن بغداد، وله تصانيف أخر منها:«النكت والعيون في تفسير القرآن الكريم و أدب الدين والدنيا» و «الأحكام السلطانية» و «قانون الوزارة» و «سياسة الملك» و «الإقناع في المذهب» وهو مختصر، وصنف في أصول الفقه والأدب، وانتفع به الناس، وقيل: إنه لم يظهر شيء من مصنفاته في حياته، وإنما جمعها كلها في موضع، فلما دنت وفاته، قال لشخص
= ومعجم طبقات الحفاظ ٢٥٨ رقم ٣٦٨، ومقدمة كتاب «أدب القاضي» لمحيي هلال سرحان - بغداد ١٩٧١، تاريخ الإسلام (السنوات ٤٤١ - ٤٦٠ هـ) ص ٢٥٢، رقم ٣٥٢.