للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يتعاقب فيه شمس وقمر، وهذا كله شموس وأقمار، وهذا البحر يفعم بدره وآناء كل من اغترف، وذاك إن ولد دُرًّا خبأه تحت قراره في الصدف، فلا غرو أن أحجمت عن سلوك هذا المهيع، ووقفت عن مجاراة أهل هذه الحلبة التي ليس إلى بلوغ الغاية معهم مطمع، ولا سيما وقد جعلوا من وسم الكتاب باسمه معنى كلمهم، وبلاغة حكمهم وسراج منهاجهم، ودرة تاجهم، وطراز حلة وشيهم المرقوم، وواسطة دُر عقدهم المنظوم، فبلغوا من رتب البلاغة غاية المراد لما شاهدوا مجموع الجمال الفريد في ذات العماد.

ومنه قوله وقد أرسل إليه والدي كتابًا أنشأته ليقف عليه، فكتب إليه:

وينهي أنه وقف على هذا الكتاب الذي ما أنتجه إلا فكر لبيب، ولا أظهره إلا أفق أديب، ولا أمد شعاعه إلا شهاب منير، ولا أهدى نوؤه إلا سحاب دره وبرقه مستطير، تضمن من الألفاظ الأدبية، واللطائف العربية، ما تحدى به على البلغاء فلم يواخوه وعظم به شان عبد الحميد لما قيل: إنه ابن يحيى فظنوا أنه أخوه. أقسم المملوك بأمانه جهد أيمانه أنه طرب المواضع منه طربًا كاد يستخفه، ويميل به لما كان كالمدام من تلك الزجاجة يستشفه، فهُنَّى منه مولانا بسيد كريم، وإمام علم من حاضره، قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١).

وقوله في ورقة كتبها إليه:

وحاش لله أن يسوء سيده بفعله، أو يقابل حلمه بالإقدام على ما يغير عوائد فضله، معاذ الله معاذ الله. ومن يجحد منن الغمام؟! وينكر صنائع الكرام؟! إنا لله لهذه الأعجوبة، ويالله كيف جازت هذه الفرية المكذوبة.

ومنه قوله في مسامحة كتبها:

وبعد، فإن الله لما خص أيامنا الزاهرة بالفتوح التي أنامت الرعايا في مهاد أمنها، وأنالت البرايا مواقع يمنها ومنها، وكفَّت أكف الحوادث عن البلاد وأهلها، ونشرت عليهم أجنحة البشائر في حزن الأرض وسهلها، رأينا أن نصغي بالإعفاء من شوائب الإكدار شربهم، ونؤمن بالإعفاء من طلب البواقي التي هي على ظهورهم كالأوزار سربهم، وإن نشفع العدل فيهم كما أمر الله تعالى بالإحسان إليهم، ونضع عنهم موضع هذه الأثقال إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم، وأن توفر على عمارة البلاد هممهم، ونبرئ من تبعات هذه الأموال اللازمة لهم ذممهم، ونريح من


(١) سورة يوسف: الآية ٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>