الإمامة، فهو الكامل، والإمام الذي إذا تقدم لم يكن ذلك تقديمًا للمفضول مع وجود الفاضل، فمن أحق منه بالإمامة أم من أولى منه بأن يقيم للدين هذه الدعامة، يأبى الله والمسلمون، ولا يتقدم بأمر الله إلا السابقون الأولون.
وكيف لا والموعظة من مثله في القلوب أوقع، والذكرى منه في الأفئدة القاسية أنجع وأنفع والدعاء منه أقرب للإجابة، والقلوب إلى قوله أحق بالإنابة، وهذا المنصب ما زال يتسوق إليه، ويتشوق لمقدمه حتى إن المنبر لو استطاع، لمشى إليه، والمحراب لولا استقبال القبلة، لكان يقف بين يديه، وهو أعلم بما لهذه المرتبة من الشرف؛ فإنها رتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو وارثهم، ودرجة لم يبلغها إلا نبي، أو أمير، أو عالم، وهو ثالثهم.
وأما شعره فقليل مختاره. ومنه قوله: [من الطويل]
سواكم بقلبي لا يحلُّ ولا يحلو … كما أنَّه مِنْ حَسنِكُمْ قط لا يخلو
حللتم عُرى صبري وحلَّلتُم دمي … وحرّمتم وصلي، فلذ لي القتل
أحبَّةَ قلبي ليس قلبي مُتيَّم … كمثلي ولا في العالمين لكم مِثْلُ
فلا تحسبوا أَنِّي مَلِلتُ هواكُمُ … ولا أنَّني يومًا أَمَلُّ ولا أسلو
ومنه وقوله: [من المتقارب]
وفي حلبة الخَدٌ مِنْ أدمعي … خُيول تجول ولا تُركَب
فَسَبْقُ الكُمَيتِ بها بَيِّنٌ … ولكن تقدَّمَهُ الأشهب (١)
وكان هذا الشيخ كمال الدين يجل المترجم وبلغه انني قد أجدت في حله، فجهز لي سبحة من الخرز والجزع، فحدست انها … فوضعت لها اسمًا إلا ما نحلت، فإذا بي أول قصيدة الصرصري: [من البسيط]
يا سائق الركب لا تعجل فلي أرب … فوق الرواحل حالت دونه الحجب
لعل بدر الدجى يرخي اللثام لنا … عن عارضيه فيشفي الواله الوصبُ (٢)
فكتب إليه قصيدة في الوزن والقافية معربة عن مدحه، ومعرضًا بألم المترجم وليس هو موضع ذكرها فأعجبته، فكتب إلي: [البسيط]
يا فرع عليا لا تخفى محاسنه … فيك النهي والعلى والفضل والأدب
(١) بعده بياض بمقدار ٤ أسطر، والصفحة التي تليه بكاملها.
(٢) من قصيدة قوامها ٤٢ بيتًا في ديوان الصرصري ٨١ - ٨٤.