للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لبيد، وكان من الخاشعين، وكان حسن الصوت، فقرأ الحارث ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)(١) فاضطرب الشافعي، وتغير لونه، وبكى بكاء شديدًا حتى لصق بالأرض، ثم لم يتمالك أن قال: إلهي إني أعوذ بك من مقام الكذابين، وأعلام الغافلين. إلهي خشعت لك قلوب العارفين وولهت بك همم المشتاقين، فهب لي جودك، وجللني سترك، واعف عني بكرم وجهك يا كريم.

قال الربيع بن سليمان: سئل الشافعي عن مسألة فأعجب بنفسه فقال (٢): [من المتقارب]

إذا المُشكلات تصدين لي … كشفت حقائقها بالنَّظَرْ

ولستُ بهيابة في الرِّجالِ … أَسائِلُ هذا وذا ما الخَبَر

ولكنني مِدْرَهُ الأصغرينِ … فَتَّاحُ خَير وفراجُ شَرْ

وذكر أن رجلًا وقف بباب الشافعي، فقال: يا رب الدار تصدق علينا بما لا يتعب ضرسًا، ولا يؤلم نفسًا، فأخرج إليه طعامًا، فقال: حاجتي إلى كلامك أشد من حاجتي إلى طعامك، وأني طالب هدى لا طالب ندى، فأمر أن يدخل عليه فسأله عن مسألة من المسائل، فأجابه وأفاده، فخرج وهو يقول: علم أوضح لبسًا خير من مال أغنى نفسًا، فقال الشافعي: ما رأيت أعقل من هذا الرجل بارك الله فيه.

والشافعي فوق كل وصف،] وفضائله أكثر من أن تعدد، ومولده سنة خمسين ومائة، وقد قيل إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة، وكانت ولادته بمدينة غزة، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن، والأول أصح، وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وقرأ القرآن الكريم، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وأقام بها شهرًا، ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل: سنة إحدى ومائتين، ولم يزل إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم .

قال الربيع بن سليمان المرادي: رأيت هلال، شعبان، وأنا راجع من جنازته، وقال: رأيته في المنام بعد وفاته، فقلت: يا أبا عبد الله ما صنع الله بك؟ فقال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر علي اللؤلؤ الرطب.


(١) سورة المرسلات: الآية ٣٧ - ٤٠.
(٢) ديوان الشافعي ص ٢٤٣ رقم ٩٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>