من حِمْيَرَ: أن كعبًا أخبره بأمره وكيف كان ذلك، وقال كان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله ﷺ، وكان من عظمائهم وخيارهم، قال كعب: وكان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة، وبكُتُبِ الأنبياء، ولم يكن يدَّخر عني شيئًا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني، فقال: يا بني قد علمت أني لم أكن أدَّخر عنك شيئًا مما كنت أعلمُ، إلَّا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث، وقد أظلَّ زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذَّابين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابك وجعلتهما في هذه الكُوَّة التي ترى وطَيَّنت عليهما، فلا تتعرَّض لهما ولا تنظرهما زمانك هذا، وأقِرَّهما في موضعهما حتى يخرج ذلك النبي، فإذا خرج فاتَّبعه وانظر فيهما؛ فإن الله يزيدك بذلك خيرًا. فلما مات والدي لم يكن شيءٌ أحبَّ إلي من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين، فلما انقضى المأتم فتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما: «محمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين، لا نبي بعده، مولده بمكة، ومُهَاجَره بطيبة، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمَّادون الذي يَحمَدون الله على كل شرف، وعلى كل حال، وتُذلَّلُ (١) ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء، ويأتزرون على أوساطهم، وأناجيلُهم في صدورهم، ويأكلون قُربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم.