ولم يتكلمِ الصحابة ولا التابعون في معنى الاستواء، بل أمسكوا عنه؛ ولذلك قال مالك:«السؤال عنه بدعة»(١).
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: يُلحِق الليلَ بالنهار، أو يلحقُ النهارَ بالليل؛ يحتملُ الوجهين، هكذا قال الزمخشري (٢).
وأصل اللفظة: من الغشاء؛ أي: يجعل أحدهما غشاءً للآخر يغطيه، فتغطي ظلمةُ الليل نورَ النهار.
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ حيث وقع، إلخ، أقول: ذكر فيه مذاهب: الأول: إجراؤه على ظاهره، لابن أبي زيد المالكي. الثاني: مذهب أهل التأويل، ومنهم الأشاعرة، وبعضهم قال: استوى: قصد، وقالت الأشاعرة: استوى بالملك والقدرة. الثالث: مذهب الصحابة والأئمة، وهو الإيمان به من غير تكييف، وقرر هذا القول بقوله: "والحق: الإيمان به من غير تكييف؛ فإنّ السلامة في التسليم". وكلامه هنا متردد بين الإثبات من غير تكييف، وبين التفويض، ولذا استشهد بقول الإمام مالك وغيره: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، ولكنه قال: "ولم يتكلم الصحابة ولا التابعون في معنى الاستواء، بل أمسكوا عنه"، قال: "ولذا قال مالك: والسؤال عنه بدعة"، ومفهوم كلام المؤلف ﵀ أن السؤال عن معنى الاستواء بدعة، وهذا خطأ فالذي سئل عنه مالك، وقال: "السؤال عنه بدعة" هو الكيفية؛ لأنه قال: "الاستواء معلوم" أي معناه، "والكيف مجهول، والسؤال عنه" أي السؤال عن الكيف. وقد أخطأ ابن جزي ﵀ أيضا في زعمه أن الصحابة والتابعين لم يتكلموا في معنى استوى. والصواب هو إثبات الاستواء لله على العرش بمعناه المعلوم، وهو علا وارتفع، مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية. ومن يتدبر كلام ابن جزي يدرك أنه إلى التفويض أميل، أي تفويض معنى الاستواء، أو هو قوله الذي يقول به. والله أعلم. (٢) انظر: الكشاف (٦/ ٤٠٤).