للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، وأن الراجي إنما يرجو منفعةَ نفسه؟، بخلاف المحبة؛ فإنها من أجل المحبوب؛ فليست من المعاوضات (١).

واعلم أن سبب محبة الله: معرفته؛ فتقوى المحبةُ على قدر قوَّة المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة؛ فإن الموجب للمحبة أحدُ أمرين،


(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين … » إلخ.
أقول: تضمن كلامه تعظيم مقام المحبة، وأن العباد فيها متفاضلون، وهذا صحيح، ولكنه - عفا الله عنه - هوّن من مقامات الخوف والرجاء والتوكل، وقال: إن غايتها حظ النفس، بينما غاية المحبة المحبوب.
وهذا لا يُسَلّم له في الجانبين، فمقامات الخوف والرجاء والتوكل غايتها إجلال الله وتعظيمه، والخضوع له والإقرار بربوبيته وكمال غناه، كيف وقد أثنى الله على ملائكته بمقام الخوف فقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال سبحانه: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وأثنى الله على أنبيائه وأوليائه بمقام الخوف والرجاء والتوكل فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال عن رسله : ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذيتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]. وأما مقام المحبة - مع علو قدره - فلا يستغنى به عن مقام الخوف والرجاء، كما تزعم الصوفية، ومع ذلك فللنفس حظٌّ في مقام الحب، وهو ما تجده من اللذة في مشاهدة جمال المحبوب وكماله، فلا بد من التعبد لله بكل هذه المقامات، حبًّا ورجاءً وخوفًا وتوكلًا.
قال بعض السلف: من عبد الله تعالى بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حَروريّ، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن.

<<  <  ج: ص:  >  >>