﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ شبَّه مَنْ لا يسمع ولا يعقل بالموتى؛ في أنهم لا يسمعون وإن كانوا أحياء، ثم شبههم بالصُّمِّ وبالعُمْي؛ وإن كانوا صِحاح الحواس، وأكَّد عدم سماعهم بقوله: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾؛ لأن الأصم إذا أدبر وبَعُد عن الداعي زاد صممه وعدم سماعه بالكلية.
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: إذا حان وقتُ عذابهم الذي تضمنه القولُ الأزلي من الله في ذلك وهو قضاؤه (١)، والمعنى: إذا قربت الساعة أخرجنا لهم دابة من الأرض.
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قول المصنف ﵀: «إذا حان وقت عذابهم» إلخ، أقول: في تفسير وقوع القول بقرب وقت العذاب نظر؛ والأظهر أن قوله: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: حق القول عليهم، وهو حكم الله بأنهم لا يؤمنون، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾، ولا ريب أن ما حق عليهم من القول بأنهم لا يؤمنون هي كلمته تعالى القدرية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾، فمعنى وقع القول عليهم، أي: وقع عليهم موجب كلمته تعالى السابقة في الحكم بأنهم لا يؤمنون، فهذه كلماته الكونية سبقت لقوم في الشقاوة ولقوم بالسعادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾، وقال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ الآيتين. وقول المؤلف «القول الأزلي من الله» الأزلي هو الذي لا بداية له، وهذا يجري على قول الأشاعرة إن كلام الله قديم بقدمه سبحانه؛ لأن كلام الله عندهم لا تتعلق به المشيئة، ولا ريب أن كلماته القدرية صادرة عن إرادته تعالى، وما كان بإرادة يمتنع أن يكون أزليًّا، وكلماته تعالى التي أخبر أنها سبقت يحتمل أن تكون عند كتابة المقادير في أم الكتاب، والله أعلم.