قلت: هذا حديث أودعه مالك في موطئه، واحتج برجاله، وهم جميعاً مدنيون؛ فهو حديث صحيح.
أبو أسماء - مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -: حج مع عثمان وعبد الله بن جعفر، وروى عن: علي بن أبي طالب، والحسين بن علي، وأسماء بنت عميس، وأبي رافع، روى عنه: يعقوب بن خالد، ومحمد بن أبي يحيى، وقال العجلي:«مدني، تابعي، ثقة»، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له مالك في الموطأ [الكنى من التاريخ الكبير (٢٢). الكنى لمسلم (١٩٩). ثقات العجلي (٢٠٧٦). الجرح والتعديل (٩/ ٣٣٣). الثقات (٥/ ٥٧٥). الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم (١/ ٢٥٦/ ٤٨٩). فتح الباب (٤٩٩). الاستغناء لابن عبد البر (١٢٨٥). التعجيل (١٢٢١). مغاني الأخيار (٣/ ٢٧٤)].
ويعقوب بن خالد بن المسيب المخزومي: روى عنه يحيى بن سعيد، وعمرو بن أبي عمرو، ويزيد بن عبد الله ابن الهاد، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له مالك في الموطأ، وقال الذهبي:«مات شاباً»، يعني: أنه لم ينتشر حديثه [التاريخ الكبير (٨/ ٣٩٤). الجرح والتعديل (٩/ ٢٠٧). المراسيل (٩٢٥). الثقات (٧/ ٦٤٢). تاريخ الإسلام (٣/ ٣٤١). التعجيل (١٢٠٢). تحفة التحصيل (٣٥٤). مغاني الأخيار (٣/ ٢٥٥)].
وقد سبق قريباً الكلام عن عظم موقع مالك رحمه الله تعالى، في انتقائه لحديثه، وإدخاله إياه في الموطأ، عند حديث: عطاء الخراساني، أنه قال: حدثني شيخ بسوق البرم بالكوفة، عن كعب بن عجرة، ونوهت هناك بشأن مالك في الاحتياط في الحديث، وذكرت ثناء الأئمة عليه، فقد قال الشافعي:«إذا جاء الحديث عن مالك فشُدَّ به يدك»، وقال أيضاً:«كان مالك إذا شك في بعض الحديث طرحه كله»، وقال ابن عيينة:«كان مالك لا يُبلغ من الحديث إلا صحيحاً، ولا يحدث إلا عن ثقة»، وقال أبو حاتم لابن معين:«مالك قل حديثه؟ فقال: بكثرة تمييزه»، وقال أبو حاتم:«ومالك: نقي الرجال، نقي الحديث، وهو أنقى حديثاً من الثوري والأوزاعي»، وقال ابن حبان:«ولم يكن يروي إلا ما صح»، وقد كان مالك يترك بعض حديثه توقياً، لاسيما إذا لم يكن عليه العمل، وكان شديد الانتقاء لما صح من الحديث، ولا يحدث إلا بما صح عنده، فهذا الحديث من صحيح حديثه.
فإن قيل: فإنك تعدُّ أمثال هؤلاء من المجاهيل؟ فيقال: قد بينت مراراً التفريق بين وصف الجهالة، وبين قبول حديث المجهول أو رده، والكلام هنا عن إخراج مالك لأمثال هؤلاء المجاهيل هل يعتبر ذلك قبولاً؟ فالجواب: نعم.
فإن مالكاً هو الحجة في أهل المدينة، وكان من أشد الناس انتقاداً للرجال، فرواية مالك عن مدني في موطئه هو توثيق له، فقد سأل بشر بن عمر الزهراني مالك بن أنس عن رجل، فقال:«هل رأيته في كتبي؟»، قال: لا، قال:«لو كان ثقة لرأيته في كتبي»، وفي رواية:«أترى في كتبي عنه شيئاً؟ لو كنتُ أرضاه رأيت في كتبي عنه»، وقد سبق تقرير