ولنا: أن الخبر نصَّ من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيهاً على ما هو أعلى منها، ودلالة على ما كان في معناها، فنصه على الحدأة والغراب تنبيه على البازي ونحوه، وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات، وعلى العقرب تنبيه على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيه على السباع التي هي أعلى منه، ولأن ما لا يضمن بمثله ولا بقيمته لا يضمن كالحشرات».
ثم قال (٥/ ١٧٧): «فصل: وما لا يؤذي بطبعه، ولا يؤكل: كالرخم، والديدان، فلا أثر للإحرام فيه، ولا جزاء فيه إن قتله، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: يحرم قتلها، وإن قتلها فداها، وكذلك كل سبع لا يعدو على الناس، وإذا وطئ الذباب والنمل أو الذر، أو قتل الزنبور، تصدق بشيء من الطعام.
ولنا: أن الله تعالى إنما أوجب الجزاء في الصيد، وليس هذا بصيد، قال بعض أهل اللغة: الصيد ما جمع ثلاثة أشياء، فيكون مباحاً وحشياً ممتنعاً، ولأنه لا مثل له ولا قيمة، والضمان إنما يكون بأحد هذين الشيئين، وروي عن عمر أنه قرد بعيره بالسقيا وهو محرم، ومعناه أنه نزع القراد عنه ورماه، وهذا قول جابر بن زيد، وعطاء، وروي أن ابن عباس قال لعكرمة وهو محرم: قرد البعير، فكره ذلك، فقال: قم فانحره، فنحره، فقال له ابن عباس: لا أم لك، كم قتلت فيها من قراد وحلمة وحمنانة؟ يعني كبار القراد، رواه كله سعيد».
وفي موضع آخر (٦/ ٣٥٥): ويباح قتل الكلب العقور؛ لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:«خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحل والحرم؛ الغراب، والحدأة، والعقرب والفأرة، والكلب العقور، متفق عليه، ويقتل كل واحد من هذين، وإن كان معلماً؛ للخبرين. وعلى قياس الكلب العقور: كل ما آذى الناس، وضرهم في أنفسهم وأموالهم؛ يباح قتله؛ لأنه يؤذي بلا نفع، أشبه الذئب، وما لا مضرة فيه، لا يباح قتله؛ لما ذكرنا من الخبر».
• وقال النووي في روضة الطالبين (٣/ ١٤٥): «ما ليس بمأكول من الدواب والطيور ضربان: ما ليس له أصل مأكول، وما أحد أصليه مأكول.
فالأول: لا يحرم التعرض له بالإحرام، ولا جزاء على المحرم بقتله.
ثم من هذا الضرب: ما يستحب قتله للمحرم وغيره، وهي المؤذيات، كالحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، والذئب، والأسد، والنمر، والدب، والنسر، والعقاب، والبرغوث، والبق، والزنبور … .
ومنه: ما فيه منفعة ومضرة، كالفهد، والصقر، والبازي، فلا يستحب قتلها لنفعها، ولا يكره لضررها.
ومنه: ما لا يظهر فيه منفعة ولا ضرر، كالخنافس، والجعلان، والسرطان، والرخم، والكلب الذي ليس بعقور، فيكره قتلها.
ولا يجوز قتل النمل، والنحل، والخطاف، والضفدع. وفي وجوب الجزاء بقتل الهدهد والصرد خلاف مبني على الخلاف في جواز أكلهما.