قلت: المحفوظ في هذا: ما رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى [راوي كتاب المناسك، وهو: ثقة، سمع من ابن أبي عروبة قبل اختلاطه، وهو من أروى الناس عنه، روى له الشيخان من روايته عن ابن أبي عروبة]، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة؛ أن نبي الله ﷺ احتجم من وجع كان به، وهو محرم. هكذا مرسلاً.
وأما رواية عبد الوهاب بن عطاء الخفاف؛ فإنها وهم، وهو: صدوق، كان عالماً بسعيد بن أبي عروبة؛ إلا أنه سمع منه قبل الاختلاط وبعده، فلم يميز بين هذا وهذا.
• فإن قيل: قال ابن أبي حاتم في العلل (٦/١٣/٢٢٧٣): «وسألت أبي عن حديث رواه عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد، عن قتادة عن أنس: أن النبي ﷺ احتجم في رأسه وقال: «إن أمثل ما تداويتم به الحجامة»؟
قال أبي: رواه أبان، عن قتادة: أن النبي ﷺ …
قلت لأبي: هذا خطأ؟ قال: لا؛ لأن معمر أيضاً قد رواه، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ».
فيقال: قد قال ابن أبي حاتم أيضاً في موضع آخر (٦/ ٢٢٩/ ٢٤٧٦) «وسألت أبي عن حديث رواه عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ: «خير ما تداويتم به الحجامة، والقسط البحري»؟
وعن حديث رواه عبد الوهاب، عن حميد، عن أنس مثله، وزاد فيه: «ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة»؟
قال أبي: هذان الحديثان منكران».
فها هو أبو حاتم يحكم على حديث عبد الوهاب الخفاف بالنكارة، وقوله هنا أشبه بالصواب، وأما حديث حميد عن أنس: فهو حديث صحيح، مشهور عن حميد، رواه عنه جمع غفير من الثقات، واتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما [صحيح البخاري (٥٦٩٦). صحيح مسلم (١٥٧٧)]، والله أعلم.
وقد صح حديث أنس في حجامة المحرم من وجه آخر:
أ - فقد روى علي بن المديني [ثقة حجة، إمام ناقد]، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وسوار بن عبد الله العنبري القاضي، وعباس بن الوليد النرسي، ومحمد بن إسماعيل بن أبي سمينة [وهم ثقات]:
حدثنا المعتمر بن سليمان [ثقة]، قال: سمعت حميداً حدث، قال: سُئل أنس عن الحجامة للمحرم؟ فقال: احتجم رسول الله ﷺ من وجع كان به. لفظ ابن المديني [عند أحمد].
ولفظ محمد بن عبد الأعلى عند ابن خزيمة: قال: سئل أنس عن الصائم يحتجم؟
فقال: ما كنا نرى إن ذلك يُكره إلا لجهده - ولم يسنده [قلت: يعني: قوله في حجامة الصائم موقوف على أنس، ولم يرفعه، ثم رفع ما بعده]- وقال: قد احتجم النبي ﷺ وهو محرم ومن وجع وجده في رأسه.