فصل: وإن أحرم بتطوع أو نذر من لم يحج حجة الإسلام، وقع عن حجة الإسلام. وبهذا قال ابن عمر، وأنس، والشافعي. وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق، وابن المنذر: يقع ما نواه. وهو رواية أخرى عن أحمد، وقول أبي بكر، لما تقدم.
ولنا: أنه أحرم بالحج وعليه فرضه، فوقع عن فرضه كالمطلق، ولو أحرم بتطوع، وعليه منذورة، وقعت عن المنذورة؛ لأنها واجبة، فهي كحجة الإسلام، والعمرة كالحج فيما ذكرنا؛ لأنها أحد النسكين، فأشبهت الآخر، والنائب كالمنوب عنه في هذا، فمتى أحرم النائب بتطوع، أو نذر عمن لم يحج حجة الإسلام، وقعت عن حجة الإسلام؛ لأن النائب يجري مجرى المنوب عنه. وإن استناب رجلين في حجة الإسلام، ومنذور أو تطوع، فأيهما سبق بالإحرام، وقعت حجته عن حجة الإسلام، وتقع الأخرى تطوعاً، أو عن النذر؛ لأنه لا يقع الإحرام عن غير حجة الإسلام، ممن هي عليه، فكذلك من نائبه».
وقال الزيلعي في تبيين الحقائق (٢/ ٨٩) بعد إيراد المسألة وذكر دليل الخصوم، قال:«ولنا: حديث الخثعمية المتفق عليه، وجه التمسك به: أنه ﵊ قال لها: «حجي عن أبيك»، ولم يسألها: هل حجت عنها أو لا؟ وهل هي أمة أو حرة؟ ولو كان شرطاً لسألها ﵊، أو لبينه لها، ولا حجة له فيما روى؛ لأنه ﵊ أمره أن يحج عن نفسه، وهو طلب الفعل في المستقبل، ولو كان كما قال الشافعي لقال: وقع حجك هذا عن نفسك فلم يبق له حج، ولا نسلم أن حجه وقع عن نفسه من غير نية منه؛ بخلاف رمضان فإنه لم يشرع فيه صوم آخر، وفي الحج شرع فيه النفل؛ لأن جميع العمر وقت له؛ ولهذا لو أداه في آخر عمره لا ينوي القضاء بل ينوي الأداء، ولا كذلك الصوم، ويجوز أنه ﵊ أمره بفسخ حجه عن شبرمة، ثم يحرم بحج عن نفسه، وهذا ليس ببعيد؛ لأنه ﵊ أمر أصحابه برفض الحج على ما بينا من قبل؛ على أن حديث شبرمة ضعيف، … ».
وقال ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ١٦٦ - ط عطاءات العلم): «مسألة: ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه، أو عن نذره ونفله قبل حجة الإسلام، وقع عن فرض نفسه دون غيره.
في هذا الكلام فصلان: أحدهما: أن من عليه حجة واجبة، سواء كانت حجة الإسلام أو نذراً أو قضاء، فليس له أن يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه، في ظاهر المذهب المشهور عنه وعن أصحابه.
قال في رواية صالح: لا يحج أحد عن أحد حتى يحج عن نفسه، وقد بين ذلك النبي ﷺ فقال: «حج عن نفسك، ثم عن شُبْرُمة»، وحديث ابن عباس؛ إذ قالت المرأة: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال:«نعم، حجي عن أبيك»، هو جملة، لم يبين حجت أو لم تحج.