بالحج، وهذا من صور القران، وغايته أنه سماه تمتعاً؛ لأن الإحرام عنده بالعمرة في أشهر الحج كيف كان يسمى تمتعاً، ثم أجاب عن حديث عائشة بأنها أرادت بقولها: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا لهما طوافاً واحداً؛ يعني: الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج؛ لأن حجتهم كانت مكية، والحجة المكية لا يطاف لها إلا بعد عرفة، قال: والمراد بقولها: جمعوا بين الحج والعمرة، جمع متعة لا جمع قرآن. انتهى. وإني لكثير التعجب منه في هذا الموضع كيف ساغ له هذا التأويل، وحديث عائشة مفصل للحالتين، فإنها صرحت بفعل من تمتع ثم من قرن حيث قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى [كذا وقع في المطبوع، والذي في الرواية: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم]، فهؤلاء أهل التمتع ثم قالت: وأما الذين جمعوا إلخ، فهؤلاء أهل القران، وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح، والله المستعان. وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، ومن طريق طاووس عن عائشة؛ أن النبي ﷺ قال لها:«يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وهذا صريح في الإجزاء، وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت عائشة محرمة به. قال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، قال: حلف طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لحجه وعمرته إلا طوافاً واحداً. وهذا إسناد صحيح، وفيه بيان ضعف ما روي عن علي وابن مسعود من ذلك، وقد روى آل بيت علي عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه أنه كان يحفظ عن علي: للقارن طواف واحد، خلاف ما يقول أهل العراق، ومما يضعف ما روي عن علي من ذلك: أن أمثل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الإهلال بالحج أن يدخل عليه العمرة، وأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، والذين احتجوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحج، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلت عليه، وإلا فلا حجة فيها».
وقال ابن حجر في موافقة الخبر (١٧٤/ ١): في تأويل قول عثمان: أجل ولكنا كنا خائفين، قال:«وقد استشكل هذا الجواب، بأنه إن أراد حجة الوداع فلم يكن هناك خوف، بل قال ابن مسعود: كنا آمن ما كان الناس، وهو في الصحيحين، وإن أراد عمرة القضاء، فلم يكن هناك حج، وقد حمله القرطبي على إرادة الخوف من بعض الأجر، أي: تمتعنا خائفين من أن ينقص أجر التمتع عن الإفراد، وعلى هذا فيحمل نهى عثمان على التنزيه، ومثله قول عمر: افصلوا حجكم عن عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وعمرتكم. أخرجه مسلم من حديث جابر».
الثالث: حديث أبي طلحة:
يرويه: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وحفص بن غياث وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير، وأبو خالد سليمان بن حيان الأحمر [وهم ثقات]: