بعضاً، وعرض بعضاً، فكان ماذا؟ وهل العرض والكتاب والمناولة إلا بعض طرق التحمل المشهورة المعمول بها، بشرطها المعروف، مع ضبط الراوي وتيقظه، ومعرفته بخط شيخه، وحفظ الكتاب عن الزيادة والنقصان فيه، وعدم دخول التصحيف والتحريف عليه، ونحو ذلك، وألا ينفرد عن الثقات بما لا يتابع على أصله، ولا يخالفهم فيما يروونه، ولذلك فقد عده أحمد في الطبقة الثانية من أصحاب يحيى بن أبي كثير، قال أبو زرعة الدمشقي:«وسمعت أحمد بن حنبل، يُسأل: من أثبت الناس في يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي، ثم قال: هؤلاء الأربعة: علي بن المبارك، وأبان وهمام، وحرب بن شداد، يعني: بعد هشام»، وقد أشار ابن معين إلى كلام البصريين فيه، وأنه ليس بقادح فيه، فقال:«قال بعض البصريين: علي بن المبارك عرض على يحيى بن أبي كثير عرضاً، وهو ثقة»، ثم قال:«ليس أحد في يحيى بن أبي كثير مثل: هشام الدستوائي والأوزاعي، وعلي بن المبارك بعد هؤلاء»، قلت: وهذا لا إشكال فيه، كون هشام الدستوائي هو أثبت الناس في يحيى، ثم تأتي الطبقة الثانية من أصحاب يحيى، وهم: أبان بن يزيد العطار، وحرب بن شداد، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، والحسين بن ذكوان المعلم، وهمام بن يحيى، كل هؤلاء فوق علي بن المبارك في يحيى بن أبي كثير، وإن كان أحمد بن حنبل وغيره يراه من طبقتهم، بل إن ابن المديني قد رفعه فوق أبان، قال:«علي بن المبارك: أحب إليَّ من أبان، نقله يعقوب بن شيبة كما تقدم، وقد أبان أبو داود عن كتاب الإرسال الذي يقول الناس، فقال: كان عند علي بن المبارك كتابان عن يحيى بن أبي كثير، كتاب سماع، وكتاب إرسال، فقلت لعباس العنبري: كيف تعرف كتاب الإرسال؟ فقال: الذي عند وكيع عن علي عن يحيى عن عكرمة، قال: هذا من كتاب الإرسال، قال: وكان الناس يكتبون كتاب السماع»، فدل ذلك على أن كتاب الإرسال ما كان إسناده: وكيع بن الجراح، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، وكان الناس يكتبون كتاب السماع، فدل على أن الذي معنا هنا من كتاب السماع، والبخاري قد حسن الرأي فيه، فقد سأله الترمذي:«كيف علي بن المبارك؟ قال: صاحب كتاب»، واحتج به في صحيحه [(٤٤٨٥ و ٧٣٦٢ و ٧٥٤٢)]، وقال ابن حبان في الثقات:«وكان راوياً ليحيى بن أبي كثير، روى عنه وكيع ومسلم، وكان متقناً ضابطاً»، وقال في المشاهير:«من المتقنين، ممن يُغرب فيجود يعني: تحتمل أفراده لضبطه وحفظه، ولما ذكره ابن عدي في كامله أورد له أحاديث مستقيمة محفوظة، ثم قال: وهو ثبت في يحيى بن أبي كثير، ومقدم في يحيى، وهو عندي: لا بأس به»، وعاب الذهبي على ابن عدي إيراده في الكامل، فقال:«وتناكد ابن عدي بإيراده في الكامل»، فلو كان له عن يحيى أفراد لا يتابع عليها لأنكرها عليه العقيلي، أو ابن حبان، أو ابن عدي، فلما لم يوردوا عليه شيئاً أنكر عليه عن يحيى؛ دل على استقامة مروياته عنه، حتى من كتابه الذي لم يسمعه من يحيى، ولم يفرقوا بين رواية البصريين عنه ورواية الكوفيين، إلا فيما دلت القرائن على غلطه