بينهما، فاختار عمر لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده، وهذا أفضل من القرآن والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى، وقد نص على ذلك: أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وغيرهم، وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر، وكان عمر يختاره للناس، وكذلك علي.
وقال عمر وعلي في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وقد قال النبي ﷺ لعائشة في عمرتها:«أجرك على قدر نصبك»، فإذا رجع الحاج إلى دويرة أهله، فأنشأ منها العمرة، واعتمر قبل أشهر الحج وأقام حتى يحج، أو اعتمر في أشهره ورجع إلى أهله ثم حج، فهنا قد أتى بكل واحد من النسكين من دويرة أهله، وهذا إتيان بهما على الكمال، فهو أفضل من غيره.
قلت: فهذا الذي اختاره عمر للناس، فظن من غلط منهم أنه نهى عن المتعة، ثم منهم من حمل نهيه على متعة الفسخ، ومنهم من حمله على ترك الأولى ترجيحاً للإفراد عليه، ومنهم من عارض روايات النهي عنه بروايات الاستحباب وقد ذكرناها، ومنهم من جعل في ذلك روايتين عن عمر، كما عنه روايتان في غيرها من المسائل، ومنهم من جعل النهي قولاً قديماً رجع عنه أخيراً، كما سلك أبو محمد بن حزم، ومنهم من يعد النهي رأياً رآه من عنده لكراهته أن يظل الحاج مغرسين بنسائهم في ظل الأراك، كما قال أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، قال: بينا أنا واقف مع عمر بن الخطاب بعرفة عشية عرفة، فإذا هو برجل مرجل شعره يفوح منه ريح الطيب، فقال له عمر: أمحرم أنت؟ قال نعم، قال عمر: ما هيئتك بهيئة محرم، إنما المحرم الأشعث الأغبر الأذفر، قال: إني قدمت متمتعاً، وكان معي أهلي وإنما أحرمت اليوم، فقال عمر عند ذلك: لا تتمتعوا في هذه الأيام، فإني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الأراك، ثم راحوا بهن حجاجاً، وهذا يبين أن هذا من عمر رأي رآه».
٣ - طريق ابن عباس، عن عمر:
أ - روى مطرف بن طريف الحارثي [كوفي ثقة قديم الوفاة، أقدم وفاة من الثوري وشعبة]، عن سلمة بن كهيل [كوفي، ثقة ثبت من الرابعة، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر، يقول: والله إني لأنهاكم عن المتعة، وإنها لفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول الله ﷺ، يعني: العمرة في الحج.
أخرجه النسائي في المجتبى (٥/ ١٥٣/ ٢٧٣٦)(٥/٨٨/ ٢٧٥٦ - ط التأصيل)، وفي الكبرى (٤/٤٧/٣٧٠٢)(٥/ ٥٢/ ٣٩٠٤ - ط التأصيل، الأوقاف القطرية)، قال: أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق [مروزي، ثقة]، قال: أنبأنا أبي [مروزي، ثقة حافظ، من قدماء أصحاب أبي حمزة، ممن روى عنه قبل ذهاب بصره]، قال: أنبأنا أبو حمزة محمد بن ميمون السكري: مروزي، ثقة]، عن مطرف به. [التحفة (٧/ ٢٢٥/ ١٠٥٠٢)، المسند المصنف (٢٢/ ٢١٤/ ١٠٠٤٠)].