سعيد بن أبيض بن حمال: روى عن أبيه، وعنه: ابنه ثابت بهذا الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في المشاهير:«سمع أباه، وكان صدوق اللهجة» [الثقات (٤/ ٢٨٠)، المشاهير (٩٦١)، التهذيب (٢/٦)]، واحتج بحديثه: أبو داود والدارمي، وهو هنا يروي عن أبيه حديثا يتعلق بمناقبه، وأنه تصدق على المسلمين بملح مأرب، بعد أن أقطعه النبي ﷺ إياه، فلما تبين له أنه كالماء العد استقاله منه، وأقطعه مكانه أرضا وغيلا بجوف مراد، وقد أخبرنا فرج بن سعيد، وهو صدوق، من أحفاد أبيض بن حمال، بأن الواقع يصدق هذه الرواية، وكل ذلك مما يعد في مآثر الآباء، التي يفخر بذكرها الأبناء عن آبائهم، وتتوفر الهمم والدواعي لحفظها ونقلها، كما تنقل الأخبار والتواريخ، ثم إن سعيد بن أبيض لم ينفرد بذلك عن أبيه، تابعه عليه: شمير بن عبد المدان؛ كما تقدم في الطريق الأول، فدل اجتماع الطريقين على صدق ناقليه، مما يجعل النفس تطمئن لقبول الخبر، لا سيما مع موافقته للإجماع المنعقد على عدم إباحة إقطاع الملح الظاهر كالماء العد، والله أعلم.
ويقال مثل هذا أيضا في ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال، وهو: لم يرو عنه سوى ابن أخيه فرج بن سعيد بن علقمة بن سعيد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في المشاهير:«كان صدوق اللهجة» [الثقات (٦/ ١٢٥)، المشاهير (١٥٥٢)، التهذيب (١/ ٢٦٣)]
وقد احتج الشافعي بهذا الحديث على عدم جواز إقطاع المعادن الظاهرة التي لها حكم المشاع بين الناس، كالملح يكون في الجبال ينتابه الناس، كما احتج به أحمد [فيما حكاه عنه ابن قدامة في المغني، ويأتي نقله].
وقال أبو عبيد في الأموال (٣٥٨): «وأما إقطاعه أبيض بن حمال المأربي الملح الذي بمأرب، ثم ارتجاعه منه، فإنما أقطعه وهو عنده أرض موات، يحييها أبيض ويعمرها، فلما تبين للنبي ﷺ أنه ماء عد - وهو الذي له مادة لا تنقطع، مثل ماء العيون والآبار، ارتجعه منه، لأن سنة رسول الله ﷺ في الكلإ والنار والماء أن الناس جميعا فيه شركاء، فكره أن يجعله لرجل يحوزه دون الناس»[ونقله ابن زنجويه في الأموال ١٠٣٦]
وقال الخطابي في أعلام الحديث (٢/ ١١٨٩): «وذهب أكثر أهل العلم إلى أن العامر من الأرض الحاضر النفع،» والأصول من الشجر كالنخل ونحوها، والمياه التي في العيون، والمعادن الظاهرة كالملح والقير ونحوها، لا يجوز إقطاعها، وذلك أن الناس كلهم شركاء في الماء والملح، وما كان في معناهما، مما يستحقه الآخذ له بالسبق إليه، فليس لأحد أن يحتجبها لنفسه، ويحظر منافعها على شركائه المسلمين، وقد كان رسول الله ﷺ أقطع أبيض بن حمال الملح الذي بمأرب، فقيل: إنه كالماء العد فرده،