إسماعيل بن إبراهيم [هو: ابن عُلَية؛ ثقة ثبت]، وعبد الوارث بن سعيد [ثقة ثبت]، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي [ثقة][وهم ممن سمع من الجريري قبل اختلاطه]:
عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن الأحنف بن قيس، قال: قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم، فقال: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم، حتى يخرج من نُغْضِ كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه، حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل، قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً، قال: فأدبر، واتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، قال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً، إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فأجبته، فقال:
«أَتَرَى أَحداً؟»، فنظرت ما عليَّ من الشمس وأنا أظن أنه يبعثني في حاجة له، فقلت: أراه، فقال:«ما يسرني أن لي مثله ذهباً أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير»، ثم هؤلاء يجمعون الدنيا، لا يعقلون شيئاً، قال: قلت: ما لك ولإخوتك من قريش، لا تعتريهم وتصيب منهم، قال: لا، وربك! لا أسألهم عن دنيا، ولا أستفتيهم عن دين، حتى ألحق بالله ورسوله.
أخرجه البخاري (١٤٠٧ و ١٤٠٨)، ومسلم (٣٤/ ٩٩٢). [تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٦٤٧)].
وبهذه الرواية يظهر أن أبا ذر استنبط قوله في تحريم الكنز، من قول النبي ﷺ في أُحد، وأن قوله: بشر الكنازين … الخ، لم يسمعه من النبي ﷺ، وأن الذي وهم باختصار القصة فأوهم سماع أبي ذر قوله:«بشر الكنازين» من النبي ﷺ هو الأحنف بن قيس، والله أعلم.
قال ابن عبد البر:«وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع، يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به: حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي، حيث قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع»» [فتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٧٣)].
قال ابن الملقن في التوضيح (١٠/ ٢٥٣): «وفيه: جواز الاختلاف والاجتهاد في الآراء، ألا ترى أن عثمان ومن كان بحضرته من الصحابة لم يرُدَّ أبا ذر عن مذهبه، ولا قالوا: إنه لا يجوز لك اعتقاد قولك؛ لأن أبا ذر نزع بحديث رسول الله ﷺ واستشهد به، وذلك قوله ﷺ: «ما أحب أن لي مثل أحد ذهباً أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير» … ».
• وروى الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء، ونحن ننظر إلى أُحد، فقال:«يا أبا ذر!»، قلت: لبيك يا رسول الله! قال: «ما أحب أن أُحداً ذاك عندي ذهباً، أمسي ثالثةً وعندي منه دينار؛ إلا ديناراً