وهو حديث صحيح؛ دون قوله: إلا شيئا سمعوه من نبيهم ﷺ، موقوفا على أبي ذر.
[تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٦٤٧)].
• وروى سفيان الثوري، عن المغيرة بن النعمان: حدثنا عبد الله بن يزيد بن الأقنع الباهلي: حدثنا الأحنف بن قيس، قال: كنت جالسا في مجلس في المدينة، فأقبل رجل لا ترى حلقة إلا فروا منه، حتى انتهى إلى الحلقة التي كنت فيها، فثبت وفروا، فقلت: من أنت؟، قال: أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ، قال: فقلت: ما يفر الناس منك؟، قال: إني أنهاهم عن الكنوز بالذي كان ينهاهم رسول الله ﷺ، قال: قلت: إن أعطياتنا قد بلغت وارتفعت، فتخاف علينا منها؟، قال: أما اليوم فلا، ولكنها يوشك أن تكون أثمان دينكم، [فإذا كانت أثمان دينكم]، فدعوهم وإياها.
وهذا موقوف على أبي ذر بإسناد لا بأس به [تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٦٤٧)].
• وروى حميد بن هلال، عن الأحنف قال: أتيت المدينة على عهد ابن عفان، فدخلت المسجد، قال: فجاء رجل آدم طويل مخلوق شبيه بعضه ببعض، فقال: ألا ليبشر أهل الكنوز بكي في جنوبهم يخرج من ظهورهم، ألا ليبشر أهل الكنوز بكي في جباههم يخرج من أقفائهم، بم توعدني قريش؟ وقريش في المسجد حلقا حلقا، قال: فاتبعته، فأتى قوما في ناحية فجلس معهم، قال: فذهبت فجلست في أدنى القوم، قال: قلت: من هذا؟ قالوا: كأنك غريب، قال: قلت: أجل، قالوا: هذا أبو ذر، قال: قلت في نفسي: ما كان ليجترئ على هذا إلا رجل له نحو.
وهذا صحيح موقوفا على أبي ذر. [تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٦٤٧)].
• قلت: الظاهر أن قول أبي ذر في الكنازين إنما هو موقوف على أبي ذر قوله، وليس نص كلام رسول الله ﷺ، وإنما هو فهم فهمه أبو ذر من عموم الكتاب، وعمومات السنة، وأنه تأول قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ … وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥]، وأنه استنبط قوله هذا من قول النبي ﷺ في أحد، كما سيأتي بيانه، وأن الذي أوهم رفعه هو الأحنف بن قيس، حيث رواه عنه خمسة: خليد بن عبد الله العصري، وحميد بن هلال العدوي البصري، وأبو نعامة السعدي، وعبد الله بن يزيد بن الأقنع الباهلي، وخامسهم الذي أتى بالرواية مفصلة بتمامها: أبو العلاء بن الشخير، فرواه خمستهم عن الأحنف بألفاظ متباينة، وسياقات مختلفة، تدل على أن ذلك إنما كان من تصرف الأحنف نفسه، وأنه كان أحيانا يسوق الحديث بتمامه بشقيه الموقوف والمرفوع، وأحيانا يقتصر على ذكر الموقوف، وأحيانا يسقط كلام النبي ﷺ من الوسط، ويسوقه سياقا يشعر بأن كلام أبي ذر الموقوف في الترهيب من الكنز، قد سمعه أبو ذر بنصه من النبي ﷺ، وإنما هو فهم استنبطه أبو ذر من قصته مع النبي ﷺ بأحد، والدليل على ذلك ما رواه: