كما أنَّ من عادة اليهود- أخزاهم الله- وصف الله تعالى بكلِّ نقيصة، ممَّا يتنَزه عنه آحاد البشر، ونظير هذا قولهم فيما حكاه الله عنهم ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، وقد ورد أن قائل هذا من اليهود: فنحاص اليهودي- لعنه الله-، وهو قائل نفس العبارة السابقة في هذه الآيات كما سبق في سبب النُّزول. (١)
* الحكم على الاستدراك:
تكاد تَتَّفق كلمة أهل التفسير على قول ابن عباس ﵁ في معنى هذه الآية، ولم أقف على من فسَّرَ الغِلَّ في هذه الآية بالوِثاق في اليد، على ما نفاه ابن عباس ﵁، وإنما ورد عن الحسن (ت: ١١٠) قوله: (معناه: يد الله مكفوفة عن عذابنا، فليس يعذبنا إلا بما تبرّ به قسمه، قدر ما عبد آباؤنا العجل)(٢)، قال البغوي (ت: ٥١٦) بعد ذكره لقول الحسن: (والأوَّل أولى- أي: قول ابن عباس-؛ لقوله ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٦٤])(٣)، ومراده أن قول الحسن بعيد عن سياق الآية، كما سبق بيانه.
فقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية هو الصواب، وعليه جماهير المفسرين واللغويين، ومنهم: مجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والثوري (ت: ١٦١)(٤)، ومن أهل اللغة أبو عبيدة (ت: ٢٠٩)، والأخفش الأوسط (٥)
(١) تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٠١. وقال الوزير المغربي (ت: ٤١٨): (حدثني بعض اليهود الثقات بِمصر: أن طائفةً قديمةً قالت ذلك- أي: يد الله مغلولة- بهذا اللفظ، لعنهم الله). المصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: ٢٠١). (٢) النكت والعيون ٢/ ٥١، زاد المسير (ص: ٣٩٥). (٣) معالم التنْزيل ٣/ ٧٦. (٤) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٣١٠، وتفسير الثوري (ص: ١٠٤)، وجامع البيان ٦/ ٤٠٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٧، وتفسير القرآن العزيز ٢/ ٣٦، والنكت والعيون ٢/ ٥١. (٥) سعيد بن مسعدة البلخي المجاشعي، أبو الحسن البصري، عرف بالأخفش الأوسط، من أعلام اللغة والنحو، صَنَّف معاني القرآن، والأصوات، مات سنة (٢١٥). ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص: ٦٦)، وبغية الوعاة ١/ ٥٩٠.