للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومسح الألفاظ على المعاني، فجاءت سواء، وجادت رواء، وجالت على المعاطف تامة حللها، ضامةً لآيات حُسْنٍ يتلوها مفصلها، قد فاقت تحصيلًا، وراقت جملةً وتفصيلًا، ثم برزت تلك الخُرَّدُ العِيْن تُجلى في تلك الملابس، وتزهى على الأقمار والظباء الأوانس.

كان ولوعًا بتصحيح المعنى يبيت طول ليلته يلوطه، ويفتق له ذهنه كأنه يخيطه، من كلّ معنى لو تصوّر لما عَدَتْ نفسه سجاياها، ولا عَدَّتْ ولائد النجوم إلا سباياها.

قصائد تركت والحسن في قَرَن، وملكتِ الحبَّ كله بلا ثمن، تبتسم لسقيط الردّ ثم تريبها، وتخاف العين وهي تصيب بالعين وتصيبها، إذا وُصِفَتْ كان واصفُها وإن جهد كأنه يعيبها، وإذا غابت وشبهها بالبدر كان كأنَّه يستغيبها. عُرْبٌ كرائم ما خُلِطْنَ بهجان، أبكار لم يطمئنَّ إنس ولا جان تخال خلال بيوتها دمى، وتظن خلال ريقتها سلافة راح لا لمى، وكان جزال القول كأنه صليل سيوف، أو صرير أقلام في مخوف.

فاض أيَّتها على المدارج، وآضَ إلى الآكام يصعد بلا معارج، قد نور كلامه أضواء من المسارج، وتطوّر فكأنه اطرد من مأرج يانع المسارج، ضائع الأرج وهو ليس ببارح، وكان من تغلب في أسرة لا يجد لكلبها شفاء إلا أن يجد في الدماء ولوغًا، ولا تعد لمنقلبها إذ تعد إلا نزوغا، ما تحلَّتْ جيادها إلا بتحجيل الصباح رسوغا، ولا حلت راية للأعداء إلا لتعقد عوضها لواء بالدماء مصبوغا.

منذ نظم حَسَدتِ الشعرى شعره، وود الغزال لو أنَّ روقيه أحدهما له قلم والآخر لأبيه الخياط إبرة. ومن أبنائه أبناء سنى الدولة، وهم قضاة أخذت بأيديهم الأقلام من السهام سدادها، والسجلات من النهار ما اتخذت منه ومن الظلام مدادها. حكام عرفوا الحق فسلكوا طرقه، وشرفوا السجل بعلائمهم بالقضاء وملكوا رقه. وكان ابن الخياط في وقته ممن له القدر العلي، والصدر الرحيب لفضله الجلي، وهو دمشقي الدار، شقي الحظ باللئام لا بِغَلَبة الأقدار. هجي بما نبه على جلالته، ونوّه بقدر أصالته، وشُبِّه على


دمشق، وتوفي بها في سنة ٥١٧ هـ.
كان شاعرًا مكثرًا مجيدًا، فصيحًا، جزل الألفاظ، واضح المعاني، يقلد أبا تمام، كما كان يقلد ابن حيوس، وفنون شعره بالمدح والوصف، والشكوى، والغزل والرثاء، وتصوير الحياة الاجتماعية في عصره من مجالس اللهو، وحياة القصور بما فيها من سرور وأحزان.
ترجمته في تهذيب ابن عساكر ٢/ ٦٧، ووفيات الأعيان ١/ ١٤٥، وشذرات الذهب ٤/ ٥٤، وأخبار الحكماء لابن القفطي ص ٢٤٣.
له «ديوان شعر» عني بتحقيقه خليل مردم بك ط بدمشق ١٣٧٧ هـ/ ١٩٥٨ م.

<<  <  ج: ص:  >  >>