ويرفعه عليه إلى ما هو أصْعَد، ويقرّبه قربًا يسرّ أبا الطيب أن يدانيه ولو كان منه أبعد. وله مع ابن العميد أمور يضيق هذا الموطن بإثباتها، ولا يطيق إبراز مخباتها، ولا يفيق سكرًا من راحها الممزوج بسكر نباتها.
فأما أبياته الخارجة مخرج الأمثال، وكلماته التي كأنما تنصب في القلوب أو تنثال فما لا يطاولها باع ملتمس، ولا يحاولها شعاع مقتبس، كل معنى لا يلتبس، وكلُّ بيت وأخوه يقول له: أنا أخوك فلا تبتئس.
من ذلك قوله (١): [من الطويل]
وولوا عليها يقدمون رماحنا … وتقدمها أعناقهم والمناكب
خَلَقْنا بأطراف القنال لظهورهم … عيونًا لها وقع السيوف حواجب
بيوم العظالي والسيوف صواعق … تخرّ عليهم والقسي حواصب
لَقُوا نبلَها مُرْدَ العوارض وانثنوا … لأوجههم منها لحي وشوارب
ومنه قوله (٢): [من البسيط]
يا أهل بابل عزمي قبلَهُ فِكَري … في النائباتِ وسيفي بعدَهُ عَذَلي
كم عندكم نعم عندي مصائبها … لكم وصال الغواني والصبابة لي
وقوله (٣): [من الطويل]
فَخُطَّةَ ضَيم قد أَبَيْتُ وليلةٌ … سَرَيْتُ وكان المجد ما أنا صانع
هتكت دجاها والنجوم كأنّها … عيون لها ثوب السماء براقع
ومنه قوله (٤): [من الكامل]
قد جاءنا الطَّرْفُ الذي أهديته … هاديه يعقد أرضه بسمائِهِ و
كأنما لَطَمَ الصّباح جبينَهُ … فاقتص منه وخاض في أحشائه
وقوله (٥): [الوافر]
وأدهم يستمد الليلُ منه … وتطلع بين عينيه الثريا
سَرَى خلف الصباح يطير مشيًا … ويطوي خلفه الأفلاك طيا
(١) من قصيدة قوامها ٣٧ بيتًا في ديوانه ١/ ١٨٢ - ١٨٧.
(٢) من قصيدة قوامها ٤٥ بيتًا في ديوانه ١/ ٢٠٢ - ٢٠٨.
(٣) من قصيدة قوامها ٥٦ بيتًا في ديوانه ١/ ٢١٢ - ٢١٨.
(٤) من قصيدة قوامها ١٠ أبيات في ديوانه ١/ ٢٧٢ - ٢٧٥.
(٥) من القطعة في ديوانه ٢/ ٥٧٩ - ٥٨٠.