حرًا على عريبه. وقال أبو العلاء: سألني أن أسمع شعره فقرئ علي ما أنشأه من أنواع القريض، فوجدت لفظه غير مريض، ومعانيه صحاحًا مخترعة، وأغراضه بعيدة مبتدعة. وهو وإن كان متأخرًا في الزمان وكأنه من فرط في عهد النعمان. ومن سمع كلامه علم أنه لم يعر شهادة، ولا حرم في إبداع الكلم سيادة. انتهى قوله فيه.
ولقد وقفت على هذا الديوان، فوجدته قد أكره نقل التجنيس عفوًا، وكدر رنق التكليف صفوه إلا ما ندر له من الأبيات الأهلّة المغاني بأهلة المعاني، البارعة جمالًا يفتن وكمالًا يؤذن بأن قيمة كل امرئ ما يحسن، فإنها لم تخل من مثل شرود، وأمل لمن يرود، أتت عليها نزعة بداءة، وجرعة زلال لم تغير بأداوة، خضخضت قلب سجله الأرشية، ولا مضمضت فم منهله الأسقية، كأنما قال له أعرابي في طمريه زرود، وقال عليه أوان ورود فهب ينم بالنسيم الحاجري ريحه، ويتبل ببلل الطل في طرة السحر شيحه.
ومن شعره الفتان مليحه قوله (١): [من البسيط]
يَا سَاكِنِينَ بِحَيْثُ الخَبْثُ مِنْ هَجَرٍ … أَطَلْتُمُ الهَجْرَ مُذْ صَرَّمْتُمُ إِلَى هَجَرِ
عُودُوا غِضَابًَا وَلَا تَنَائَى دِيَارُكُمْ … فَقِلَّةُ المَاءِ تُرْضِي الكُدْرَ بِالكَذَرِ
ومنها قوله:
وَذُبَّلٌ مِنْ رِمَاحِ الخَطِّ حَامِلَةٌ … مِنَ الْأَسِنَّةِ نِيرَانًا بِلَا شَرَرِ
إِذَا هَوَوا فِي مُتُونِ الدَّارِعِينَ بِهَا … حَسِبْتَهُمُ غَمَسُوا الأَسْطَالَ فِي الغُدُرِ
ومنه قوله (٢): [من الطويل]
بِأَيَّةِ حَالٍ حَكَمُوا فِيكَ فَاشْتَطُّوا … وَمَا ذَاكَ إِلا حِينَ عَمَّمَكَ الوَحَطُ
مِنَ الأُنْسَاتِ اللابِسَاتِ مَلَابِسًَا … مِنَ الصُّوْنِ لم يُدَنِّسْ لَهَا بِالحَنَا مَرَطُ
شَرَطْنَ عَلَيْهِنَّ الوَفَاءَ فَمُذْ بَدَا … بَيَاضُ عِذَارِي قُضِيَ الشَّرْطُ
كَأَنَّ الفَتَى يَرْقَى مِنَ العُمْرِ سُلَّمًا … إِلَى أَنْ يَجُوزُ الأَرْبَعِينَ وَيَنْحَطُ
ومنها:
فَدَعْ ذَا وَلَكِنْ رُبَّ لَيْلٍ عَسَفْتُهُ … يَرْكَبُ كَأَنَّ العَيْسَ مِنْ تَحْتِهِمْ مِقَطُ
عَلَى كُلِّ مُوَّارِ الوَضِيْنِ كَأَنَّهُ … مُرِيْرَةُ قَدْ لَا يَبِيْنُ لَهُ وَشَطُ
وَقَدْ لاح للركب الصباح كَأَنَّهُ … بَدَا مِنْ جَلَابِيْبِ الرُّبَى لَمَّ شَمَطُ
(١) من قصيدة قوامها ٥٠ بيتًا في ديوانه ١/ ٦ - ١٠.
(٢) من قصيدة قوامها ٣٩ بيتًا في ديوانه ١/ ١٠ - ١٣.