ولما دخل إلى بغداد أرادوا امتحانه، فأحضروا دستور الخراج الذي في الديوان، وجعلوا يوردون ذلك عليه مياومة وهو يسمع، إلى أن فرغوا. فابتدأ أبو العلاء، وسرد عليهم كل ما أوردوه عليه.
وسمع أهل حلب بذكائه وهو صغير، فسافر جماعة من أكابرهم إلى معرة النعمان لمشاهدته، وسألوا عنه، فقيل لهم: هو يلعب مع الصبيان، فجاؤوا إليه وسلموا عليه، فرد عليهم السلام، فقيل له: هؤلاء جماعة من أكابر حلب أتوا لينظروك ويمتحنوك، فقال لهم: هل لكم في المقافاة بالشعر؟ فقالوا: نعم، فجعل كل واحد منهم ينشد [بيتًا] وهو ينشد على قافيته، حتى فرغ حفظهم بأجمعهم وقهرهم، فقال لهم: أعجزتم أن يعمل كل واحد منكم بيتًا، عند الحاجة إليه على القافية التي يريد؟ فقالوا: فافعل أنت ذلك. فجعل كلما أنشده واحد منهم بيتًا أجابه من نظمه على قافيته، حتى قطعهم كلهم، فعجبوا منه وانصرفوا.
ومر في طريقه إلى بغداد وهو راكب على جمل بشجرة، فقيل له: طأطئ رأسك، ففعل. وأقام ببغداد ما شاء الله، فلما عاد اجتاز بذلك الموضع وقد قطعت تلك الشجرة، فطأطأ رأسه، فسئل عن ذلك فقال: ههنا شجرة، فقيل له: ما ههنا شيء. فقال: بلى. فحفروا ذلك الموضع، فوجدوا أصلها.
وقيل لبعض أمراء حلب: إن اللغة التي ينقلها أبو العلاء إنما هي من الجمهرة، وعنده منها نسخة ليس في الدنيا مثلها، وأشاروا عليه بطلبها منه، قصدًا لأذاه. فسير أمير حلب رسولًا إلى أبي العلاء يطلبها منه، فأجابه بالسمع والطاعة، وقال تقيم عندنا أيامًا حتى تقضي شغلك. ثم أمر من يقرأ عليه كتاب الجمهرة، فقرئت عليه حتى فرغوا من قراءتها، ثم دفعها إلى الرسول [وقال له]: ما قصدت بتعويقك إلا أن أعيدها على خاطري؛ خوفًا من أن يكون قد ندَّ منها شيء عن خاطري. فعاد الرسول وأخبر أميره بذلك، فقال: من يكون هذا حاله لا يجوز أن يؤخذ منه هذا الكتاب، وأمر برده إليه.
وكان له محل عال عند الملوك، يقبلون عليه، ويقبلون شفاعته، ويعظمون قدره. وله كرم، لو ملك الدنيا لبذلها. وفيه مناقب، نقول ولا نحاشي: إنه كان أكثرها أفضلها. ومن أشعاره التي سير في الأرض مثلها قوله في النسيب والغزل (١): [من البسيط]
حَسَّنتِ نظم كلام توصفن به … ومنزلًا بكِ معمورًا مِنَ الخَفَرِ
(١) من قصيدة قوامها ٧٤ بيتًا في سقط الزند ١٦ - ٢١.