وقد اختار ابن الصيرفي ديوانه، وأثنى عليه في ذلك ثناء أذكر عنوانه. قال يعني نفسه في اختياره واقتصاره على الجيد من مختاره، وأداه سعيه إلى الآن إلى أن يعتمد على شاعر يتخير من إحسانه، ويتفسح من ميدان ديوانه، ورأى أن أغزر الشعراء فتونًا، وأكثرهم غررًا وعيونًا مهيار بن مرزويه الديلمي وله ما يستدعي ضروب الافتتان والطرب، ويزيد به على أكثر من هو عريق في العرب، على أنه قد حكى أن أصل الديلم من بني ضبة، وأن هؤلاء الضبيين هم الذين افتضوا عذرة السكنى في بلادهم، ثم قال بعد تاريخ ذكره: فأما مهيار فإن كثيرًا من الشعراء يعترفون بقصورهم عنه فيما يقرضونه، وجماعة من العلماء يبالغون فيما يصفونه به ويقرظونه إلا أن صحيح شعره لا يوجد قلة وتعذرًا، والنسخ المرضية منه عزيزة حتى إنها لا تكاد ترى. ثم قال إنه وقف على جزء من ديوانه عليه بخط أبي الحسن الصقلي.
قال علي بن عبد الرحمن: ما نعرف مقدار ما وهب لأبي الحسن مهيار من صناعة النظم إلا من تبحر في شعره ووقف على ما فيه من التصرف وحسن الاختراعات، وصحة التشبيه، ولطف التخلص، وبعد المرامي مع حلاوة لفظ، وجزالة معنى ورصف وتطرف يخلطه بأساليب عشاق العرب وينافر به عجرفية العجم.
قلت: وقد وفاه ابن الصيرفي حقه بغير حيف، ونقده الصيارفة فرآه خالصًا من الزيف، إلا أنه استجود من دنانيره ما هو المَشُوف المُعْلَم، واختار من ذهبه المفقود المُسَلَّم، وأجرى عليه المعاملة إلا أنها لا تجوز على من لا يفهم، وقدر بها القيم إلا أن كل دينار منها تحسب البدر منه بدرهم، هذا في قيمة التثمين قيمة ما حده الصيرفي بيعه للثمين.
ومن المختار له قوله (١): [من السريع]
لا والَّذي لو سَاءَ لم أَعتَذِرُ … في حُبِّهِ مِنْ حيثُ لم أَذْنِبِ
ما حَدَرَتْ ريحُ الصَّبا بعدَهُ … لِثَامَها عنْ نَفَسٍ طَيِّبِ
ولا حَلا البَذْلُ ولا المَنْعُ لي … مذهولم يرض ولم يغضب
ومنه قوله (٢): [من الطويل]
تَبَسَّمَ عن بيض صَوَادع في الدُّجَى … رِقاق ثناياها عذاب غُرُوبُها
إذا غادت المسواك كان تحيةً … كأنَّ الذي مَسَّ المساويك طيبها
(١) من قصيدة قوامها ١٣٨ بيتًا في ديوانه ١/ ٧٥ - ٨٣. (٢) من قصيدة قوامها ١٠٧ بيتًا في ديوانه ١/ ٤٥ - ٥١.