يوجّه ما شاء من الحجة، وينبه من تاه على اتباع المحجة، وعلم لا يعيا بقطع منازع، وفهم عنده بصحة الدليل لكل مجادل وازع، عارف بالأدب علمًا وعملًا، وطائف في طرق الصناعة يسلك سُبُلها ذللًا. إذا ركب كلامًا كان قيودًا لكنها لا تألف التعقيد، وقلائد إلا أنها كلها فريد، ونجومًا سعيدة وما كل نجم في السماء بسعيد، ودررًا ما رأى الناس مثلها في بيوت قصيد، ولملكته في فنون الأدب، ونسلها إليه من كل حذب، واطلاعه على الأشعار وقالتها، وإحاطته منها بمعان عمة الناس في جهالتها. صنف على شعر المتنبي كتابًا سماه [المنصف]، تكلم فيه على سرقاته الفاضحة، ومآخذه الواضحة، ورماه بالأوابد، وآتى بنيانه من القواعد. أنبأ عن غزارة مدد، وكثرة حفظ لا يحضر بعدد. ومن وقف عليه علم بأن محل ابن وكيع كقدر البدر في فلكه الرفيع. وأما نظمه فكله بديع. منه:
قوله: [من الرمل]
غَرَّدَ الطَّيْرُ فَنَبَّهْ مِنْ نُعَاس … وَأَدَرَّ كَأْسَكَ فَالْعَيْشُ خَلُس
شَلَّ سَيْفَ الفَجْرِ مِنْ غِمْدِ الدُّجَى … وَتَعَرَّى الصُّبْحُ عَنْ ثَوْبِ الغَلَس
وانْجَلَى عَنْ حُلَلٍ فَضِيَّة … نَالَهَا مِنْ ظُلَمِ اللَّيْلِ دَنَس
وقوله من مزدوجة (١): [من الرجز]
مَا العُذْرُ في السَّلْوَةِ عَنْ غَزَالٍ … مُنْقَطِعُ الأَقْرَانِ والأَشْكَال
تَسْتَخْلِفُ الشَّمْسُ لَدَى الزَّوَالِ … ضِيَاءَ خَدَّيْهِ على اللَّيَالِي
والشَّكْلُ والخِفَّةُ في الأَرْوَاحِ … أَمْلَحُ ما يُعْشَقُ في المُلاحِ
مَنْ كَانَ يَهْوَى مَنْظَرًا بَلا خَبَرٍ … فَمَا لَهُ أَوْفَقُ مِنْ عِشْقِ القَمَر
وقوله من أخرى يذكر فصل الربيع (٢): [من الرجز]
نَهَارُهُ مِنْ أَحْسَنِ النَّهَارِ … غَايَةُ الإِشْرَاقِ وَالإِسْفَار
تَضْحَكُ فِيهِ الشَّمْسُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ … كَأَنَّهَا في الأُفُقِ جَامُ مِنْ ذَهَب
ولَيْلُهُ مُسْتَلْطَفُ النَّسِيمِ … مَقْوَمٌ في أَحْسَنِ التَّقْوِيم
لَبِدْرِهِ فَضْلٌ على البُدُورِ … في حُسْنِ إِشْرَاقٍ وَفَرْطِ نُور
كَجَامَةِ البُلُّورِ في صَفَائِهَا … أَذَابَتِ الجِرَّادَ في نِقَائِهَا
كأَنَّهُ إِذا دَنَتْ في نَجْحِرِهِ … جَوْزَاؤُهُ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِهِ
(١) من قصيدة قوامها ٩٠ بيتًا في ديوانه ٢٣ - ٢٣.
(٢) من قصيدة قوامها ١٠٨ في ديوانه ٣٣ - ٤٣.