للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بين ملوكها تنقّل الظل وتوقّل في غاب مهالكها توقّل الأسد المدل حتى كان عندهم أحظى من الغنى، وأحفى بالآمال من المنى، وتنافست الملوك على قربه، وعلى انتضاء سيفه المشرفي من قربه، واختص بسيف الدولة بن حمدان، ثم كان يتجنّى عليه والذنب ذنبه، ويتمنى البعد عنه ولا يعجبه إلا قُربه وَيُغِبُّهُ، وله مع كافور الأخشيدي ما كان الأليق به غيره في حكم الموافاة، والأجدر به الجميل لو عرفه أو كافاه، ثم اتصل بخدمة عضد الدولة بن بويه ومدحه، فأثابه ما أوقر إبله ذهبا، وأوقد مصباحه لهى لا لهبا، ثم كانت هي آخر سفرته، وشدّ ركائبه إلى مقيل حضرته. وكان واسع الرواية، مطلعًا على اللغة إلى غاية، وقد حكي عن أبي علي الفارسي لما سأله تلك الحكاية وجده لا يُقارب ولا يُساوى، ولا يقاوم ولا يُقاوى ولا تترشفه المسامع إلا عادت القلوب نشاوى، ولا تغاير به الكواكب إلا ترامت ساقطة تتهاوى. وكان كثير الولوع بديوان أبي تمام حبيب بن أوس، والنزوع منه لسهام لا ترمى بها حنية قوس، ثم كان ولع أبي العلاء المعري به مثل ولعه بأبي تمام، لا يسأم طرفه الطارق له من إلمام.

حكى ابن خلكان: «أن المعري لما فرغ من تصنيف كتابه «اللامع العزيزي» في شرح شعر المتنبي، وقرئ عليه، أخذ الجماعة في وصفه، فقال: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب حيث يقول (١): [من البسيط]

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي … وأسمعت كلماتي مَنْ به صَمَمُ

وقد ذكره الثعالبي في اليتيمة فقال: هو وإن كان كوفي المولد، شامي المنشأ، وبها تخرج، وفيها خرج نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر، ثم هو شاعر سيف الدولة المنسوب إليه المشهور به، إذ هو الذي جذب بصبعه، ورفع من قدره، ونفق من شعره، فألقى عليه شعاع سعادته، حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في البدو والحضر، وكادت [الليالي] تنشده، والأيام تحفظه، كما قال وأحسن ما شاء (٢): [من الطويل]

وما الدهرُ إلا منْ رُوَاةِ قصائدي … إذا قلتُ شعرًا أصبح الدهرُ مُنْشِدا

فسار به مَنْ لا يسيرُ مُشْمّرًا … وغنّى به مَنْ لا يُغنّي مُغَرّدا

وكما قال: [من المتقارب]

ولي فيك ما لم يقل قائل … وما لم يسر قمر حيث سارا


(١) وفيات الأعيان ١/ ١١٥، والبيت في نفس القصيدة السابقة.
(٢) البيتان من قصيدة قوامها ٤٢ بيتًا في ديوانه ٣٧٠ - ٣٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>