للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأثار دفائن تلك النواويس، وثار بما لا ينهض به تلك الأباليس، وأتى بديباج كأنه أجنحة الطواويس، وتخييل كأنّه لعب الأماني بالمفاليس، وخرج له الحاتمي حين عاد عليه بوجه الإقبال، وكفَّ عن مؤاخذاته رشق النبال جملة أبيات توارد هو وأرسطو على معناها، وتبادر هو وإيَّاه إلى مجناها، وأراد أن يتخذ بيوتًا إلا أن أرسطو ما بناها، والمتنبي بناها. فإن كان قد وقف منها على ما قاله أرسطو، فقد أخذه تُربًا ثم أعاده تبرًا يدخر منه سبائك ذهب، وقطرًا ثم علّق منه قرطًا للؤلؤه جائل حبب، وإن كان ما وقف عليه فهو مفتق، نورِهِ، ومفتح ثمره، ومدفق نهره، ومفترع عذاره، ومفرع دوحه بما يتلفت إليه على خد المليح عذاره، فيكون له بهذا الفضل الأكبر، ويكون هو الأصل الذي جلب الجوهر، أو ما هو به أخبر؛ لأنه مخرج خبيه، ومحوج أمة الشعراء إلى الإيمان بنبيه. وعلى هذه السجعة أقول: إنَّه تنبأ بالبادية، ونبا بإفراط ألمعيته وميض مخايله البادية ثم تاب، وبات لا يجد مسلكًا إليه العتاب. وقد كان تبعه من بني كلب أهل بادية السماوة قوم أميون لا يعلمون ما علم الكتاب، وخدعه ضلال، ثم زال بحسن المآب، ونام لا يخشى أن يدخل هذا الباطل على سمعه من طاقة، ولا على جفنه من باب، ولا يتهافت على ناره تهافت الفراش، ولا يقع على دناياه وقوع الذباب. وكان شمس سماء، وبدر مساء، ومبسم صباح، وموسم صباح، ونبعة زلال، وطلعة هلال، ومركز عوال، ومركب أهوال، ومكتب خدود بدم لا بغوال، ومصوّب أسنة تُمدّ لقبض أرواح لا نوال، وقارع بيض ببيض، وقارن خيل بخيل لها في كل شارقة وميض، وقاري كل ذيب ونسر في كلّ أوج وحضيض، وقارض أعمار بظباة سيوف لا قريض. وهذا هو الذي قتله وإنَّما عجل عليه قول قاله غلامه ليته لا قبله، وهو قوله (١): [من البسيط]

والخيل والليل والبيداء تشهد لي … والطَّعنُ والضرب والقرطاس والقلم

وجال البلاد جول القداح، وجاب الآفاقَ جَوْب السحاب تقذفه الرياح، وتنقل


= محمد شاكر، ولزكي المحاسني.
ترجمته في: وفيات الأعيان ١/ ١٢٠ ومعاهد التنصيص ١: ٢٧ وابن الوردي ١/ ٢٩٠ وابن الشحنة: حوادث سنة ٣٥٤ هـ. ولسان الميزان ١: ١٥٩ وفيه: «كان إذا ذكر له حادث تنبؤه يستنكره ويقول: ذلك شيء كان في الحداثة! وإذا سئل عن معنى المتنبي يقول: هو لقب من الألقاب، وفيه: «كان والده يلقب عيدان - بفتح فسكون» وتاريخ بغداد ١٠٢: ٤ والمنتظم ٧: ٢٤ والمستشرق بلاشير R.Blachere في دائرة المعارف الإسلامية ١: ٣٦٣ - ٣٧١ ودار الكتب ٧: ٢٠٠. ونسمة السحر ١/ ١٨٠ - ٢٠١، الأعلام ١/ ١١٥. معجم الشعراء للجبوري ١/ ٩٦ - ٩٧.
(١) البيت من قصيدة قوامها ٣٨ بيتًا في ديوانه ٣٣١ - ٣٣٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>