بجملة من صحيح مسلم بها. ثم نزح عن دمشق، وأقام بحلب مديدة، ثم انتقل إلى مصر وسكنها، وولي جهات كبارا.
وكان ذكيًا، فطنًا، كثير الاشتغال، والنظر، والبحث، يعرف الفقه، والأصلين، والنحو، والطب، والأدب، وغير ذلك، وله شعر رائق، وأصحاب وتلامذة تأسفوا لفقده، وطووا الجوانح على أسى زاد في وقده، ومن تصانيفه كتاب «الأشباه والنظائر».
ولما وصل خبر موته إلى دمشق، عُمِل عزاؤه تحت النسر، وصلى عليه صلاة الغائب في ثالث المحرم، ورثاه جماعة منهم علاء الدين بن غانم، والإمام نجم الدين القجفاري، ونجم الدين الصفدي (١).
وكانت بينه وبين الأفرم - أيام نيابته بالشام - صداقة كشفت بينهما الوقار، وأرشفت تصافيهما العقار، حكى لي ابن الدقاق عنه: أن الأفرم استدعاه ليلة والليل جناحه ما نُسِل، وخضابه ما نصل، وفارسه المعلم ما نزع جوشنه، وأفقه المروض ما قلع سوسنه، وخصماء الطير خرس بعدما نطقت لها ألسنة، وسر الفجر ما جال في ضمير، وفرق الشرق ما شاب، والأدب في لمته القتير، وثوب الأفق ما ذر عليه الكافور، ولا نفض عنه العبير، فدخل عليه، وهيف الشمع تولول ألسنة نارها، وتعصب رؤوسها بتيجان نضارها، وقد أضاء بصباحها بهو الدار، وقمص سواد ذلك الليل بضيائها جلباب النهار، وقد دعى بالصبوح، وبطح زق قام عليه الراووق ينوح، وصفقت القناني وتصدرت الأواني واتفق البم والزير ورقص الطرب الزائر والمستزير، وقد دب شعاع الخمر في وجنه الساقي، وفاض على المجلس وألقى على الزجاج الباقي في حضرة ما حصلت في إشبيلية للمعتمد بن عباد، ولا للمقتدر بن أبي العباس في بغداد، ولا للأشرف شاه أرمن في ظواهر أخلاط، ولا لتميم أبي معد في مناظر الفسطاط، وهو بدمشق بالقصر الظاهري المشرف على الميادين المكتنف بالبساتين، المزرر عليه حبّ الغمام، المؤزر بديباج الرخام. وسقوفه تنقط ذهبًا، وتشعل فحمة الليل لهبًا، والشاذروان قد عُلّقت به سلاسل من فضة، وتساقطت عليه من الماء نجوم منقضه، والبركة قد أتلعت جيد نوفرة تتلقى ذلك الصب، وتومئ إليه بالتقبيل إيماء من أحب، فرأى ما قيد النظر، وقدد النهار في ذلك النهر، فدهش وقد تحفز نسيم السحر، واضطرب موج تلك الميادين في ضوء