للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الشريف عز الدين في الوفيات: حدث، ودرس، وأفتى، وصنف، وولي الحكم بمصر، مدة، والخطابة بجامعيها العتيق، وكان علم عصره في العلم، جامعًا لفنون متعددة عارفًا بالأصول والفروع والعربية، مضافًا إلى ما جبل عليه من ترك التكلف، والصلابة في الدين، وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه.

ولي الخطابة فلما تملك دمشق الملك الصالح إسماعيل، وأعطى الفرنج الشقيف وصفد تألم الشيخ، ونال من الصالح، وترك الدعاء له في الخطبة عمدًا، فعزله، واعتقله، ثم أطلقه. فنزح هو وابن الحاجب إلى مصر، فتلقاه السلطان نجم الدين، وبالغ في احترامه إلى الغاية، واتفق موت قاضي القاهرة شرف الدين ابن عين الدولة فولى بعده قاضي القضاة بدر الدين السنجاري ولي قضاء مصر نفسها، والوجه القبلي الشيخ عز الدين مع خطابة جامع مصر، فاتفق أن بعض غلمان الصاحب معين الدين بن الشيخ بنى بنيانًا على سطح مسجد بمصر، وجعل فيه طبلخاناه الصاحب، فأنكر الشيخ عز الدين ذلك، ومضى بجماعته، وهدم البناء، وعلم أن السلطان والصاحب يغضب من ذلك، فأشهد على نفسه بإسقاط عدالة معين الدين، وعزل نفسه عن القضاء، فعظم ذلك على السلطان، وقيل له: اعزله عن الخطابة، وإلا شنع على المنبر، كما فعل بدمشق فعزله، فأقام في بيته يشغل الناس، وكانت عند الأمير حسام الدين بن أبي علي شهادة تتعلق بالسلطان، فجاءه لأدائها، فنفذ يقول للسلطان: هذا ما أقبل شهادته، فتأخرت القضية، ثم أثبتت على السنجاري، وله أفعال من هذا الجنس محمودة، وقد رحل إلى بغداد، فأقام بها أشهرًا، وذلك في سنة سبع وتسعين.

وكتب عبد الملك بن عساكر: إن الشيخ عز الدين لما ولي خطابة دمشق فرح به المسلمون، إذ لم يصعد هذا المنبر من مدة مديدة من هو في علمه وفتياه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، لقوة نفسه، وشدة تقوله، فأمات من البدع ما أمكنه، فغير ما ابتدعه الخطباء، وهو لبس الطيلسان للخطبة، والضرب بالسيف ثلاث مرات، وإذا قعد لم يؤذن إلا واحد وترك الثناء، ولزم الدعاء، وكانوا يقيمون للمغرب عند فراغ الآذان، فأمرهم بالتمهل، وكانوا في دبر كل صلاة يقولون: إنَّ الله وملائكته يصلون، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحديث.

ولما مرض بعث الملك الظاهر يقول: عين مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين، ففوضت إليه بعده.

<<  <  ج: ص:  >  >>