منتصرًا لمذهب أبي الحسن الأشعري منتصبًا لخصم خصمه الجري، شديد البغضاء لأهل التجسيم، قد أورثهم سل الأسقام، وسل عليهم الانتقام، وسلط عليهم التضييق في كل مقام، وكان سيفًا من وقف أمامه طرق، وسيلًا من جاء قدامه غرق، وناره لا تبوخ، وأرضه لا تسوخ، ورواشق سهامه لا تخطئ المواقع، وبوائق فكره لا تُحِل الأعداء إلا البلاقع، إلى أن دالت دولة الأشرف شاه أرمن موسى بن العادل، واستمر مريرها، وخضع منبرها له وسريرها، وكان يميل إلى هذه الخرقة، ويظن أنها المحقة، حتى أنست له أكثر حقوقه، وجرت مجرى الدم في عروقه، فأخذ في معارضته وتسكيت عارضته، ويأبى هو إلا أن يجري على غلوائه، ويسري على أضوائه، والأشرف قد أشرف في خلافه، وأشرف على إتلافه، إلا أن الله أنجده بالحصيري إمام الحنفية، فدخل على الأشرف القلعة، وهو على حماره، لم ينزل عنه إلا على فرش داره، وقام الملك الأشرف حتى كان هو الذي نزله، وتلقاه وبجله، ثم أجلسه مكانه، وبذل في كرامته إمكانه وأقبل عليه فرآه الأشرف قابلًا على ابن عبد السلام، قائلًا إنه على معتقده، وهو من دان دين الإسلام، فلم يسع الأشرف الرد عليه، ولا سلم بباطنه إليه فقوي ابن عبد السلام بعد أن وهن، وتكلم بعد أن سكت، وتراجعت سورة غضبه لربه، وترادت عزيمته إلى جهاده وذبه، وكان آخر حاله أنه نفي وكفوا همه وكفى.
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة أو في التي بعدها، وسمع حضورًا من أحمد بن حمزة بن الموازيني، وبركات بن إبراهيم الخشوعي، وسمع من عبد اللطيف بن أبي سعيد، والقاسم بن عساكر، وطائفة من المشايخ، ولم يكثر من السماع. حدث عنه الدمياطي، وابن دقيق العيد، وأبو الحسين اليونيني، وشهاب الدين بن فرج، والقاضي جمال الدين محمد بن سوم المالكي، وعلم الدين الدواداري، وخطيب حلب أبو عبد الله بن بهرام، والمصريون.
وبرع في العربية والأصول، وبلغ رتبة الاجتهاد واخرج به الأصحاب، وانتهت إليه معرفة المذهب، مع الذكاء المفرط، وسعة المعرفة، وفقه النفس، والعبادة، والنسك، والقول بالحق المر، وقد ولي خطابة دمشق بعد الدولعي.