للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه، لا يجوز أن يظن كثيرًا من الظنِّ ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (١) وقال النبي: «إن الله تعالى حرم من المسلم دمه وماله وعرضه»، وأن يظن به ظن السوء، ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به، فينبغي أن يعلم أن به غاية حماقة، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقةً من الذي أمر بقتله، ومن الذي رضي به، ومن الذي كرهه، لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد وفي زمن بعيد، وقد انقضى فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد؟ وقد تطرق التعصب في الواقعة، فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب، فهذا أمر لا يعرف حقيقته أصلًا، وإذا لم يعرف، وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا لو ثبت على مسلم أنه قتل مسلمًا، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر، بل هو معصية، وإذا مات القاتل، فربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره، لم يجز لعنته، فكيف بمن تاب عن قتل، ولم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (٢) فإذًا لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقًا عاصيًا الله تعالى، ولو جاز لعنه، فسكت لم يكن عاصيًا بالإجماع بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة لم لم تلعن إبليس، ويقال للاعن لم لعنت، ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون، والملعون هو المبعد من الله ﷿، وذلك غيب لا يعرف إلا فيمن مات كافرًا، فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه، فهو جائز، بل هو مستحب بل هو داخل في قولنا في كل صلاة: «اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات؛ فإنه كان مؤمنًا والله أعلم» كتبه الغزالي.

وكانت ولادة الكيا في ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة، وتوفي يوم الخميس وقت العصر مستهل المحرم سنة أربع وخمسمائة ببغداد، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق، وحضر دفنه الشريف أبو طالب الزينبي، وقاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني، وكان مقدم الطائفة الحنفية، وكان بينه وبينهما منافسة في حال الحياة، فوقف أحدهما عند قبره والآخر عند رجليه، فقال ابن الدامغاني متمثلًا قوله: [من الوافر]

وما تُغني النوادب والبواكي … وقد أصبحت مثل حديث أمس


(١) سورة الحجرات: الآية ١٢.
(٢) سورة التوبة: الآية ١٠٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>