للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح طارت رؤوس المقاييس في مهب الرياح.

واستفتاه الحافظ أبو طاهر السلفي في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى بينه وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية، وصورة الاستفتاء: ما يقول الإمام وفقه الله تعالى في رجل أوصى بثلث ما له للعلماء والفقهاء، تدخل كتب الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟ فكتب الشيخ تحت السؤال: نعم، كيف لا، وقد قال النبي «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا في أمر دينها، بعثه الله يوم القيامة فقيهًا عالمًا».

وسئل الكيا عن يزيد بن معاوية، فقال: إنه لم يكن من الصحابة؛ لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب، وأما قول السلف، ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح، ولأبي حنيفة تصريح وتلويح ولمالك قولان: تلويح وتصريح، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك، وهو اللاعب بالنرد، والمتصيد بالفهد، والمنادم للقرد ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلوم منه قوله: [من الطويل]

أقولُ لصحب ضَمَّتِ الكأس شملهم … وداعي صبابات الهوى يترنم

خذوا بنصيب من نعيم ولذة … فكل وإن طال المدى يتصرمُ

وكتب فصلًا طويلًا، ثم قلب الورقة، وكتب: لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل. وكتب فلان بن فلان.

وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك: فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد: هل يحكم بفسقه؟ أم هل يكون لك مرخصًا له فيه؟ وهل كان مريدًا قتل الحسين؟ أم كان قصده الدفع؟ وهل يسوغ الترحم عليه؟ أم السكوت عنه أفضل؟ ينعم بإزالة الاشتباه مثابًا.

فأجاب (١): لا يجوز لعن المسلم أصلًا، ومن لعن مسلمًا فهو الملعون، وقد قال رسول الله : «المسلم ليس بلعان». وكيف يجوز لعن المسلم، ولا يجوز لعن البهائم؟ وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكافر بنص النبي ، ويزيد صَحَ إسلامه، وما صح قتله الحسين، ولا أمره، ولا


(١) حول هذا الموضوع، انظر: ما كتبه الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الشهير بابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) بعنوان (الرد على المتعصب العنيد، ط بيروت ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م).

<<  <  ج: ص:  >  >>